والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو الهيجان والفيضان من شدّة الامتلاء .
وهذا المعنى يختلف باختلاف الموارد : ففي البحر بوجود التموّج الشديد والهيجان ، وفي النار بالالتهاب الشديد والاشتعال ، وفي الرفيق والمصاحب بهيجان المحبّة والمودّة ، وفي الشعر بالوفور والاسترسال ، والجامع بينها هو الخروج عن الحدّ في الامتلاء .
فظهر أنّ الأصل في المادّة ليس بمطلق الهيجان ولا الامتلاء ولا التوقّد ولا الفيضان ولا الاسترسال ولا التموّج ، بل الهيجان الشديد القريب من حدّ الفيضان من وفور الامتلاء .
* ( يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) * - 40 / 72 .
أي يمتلئون في النار ويتموّجون بالهيجان الشديد والاضطراب الوافر .
والسحب : الجرّ على الأرض .
* ( وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) * - 52 / 6 .
* ( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ) * - 81 / 7 .
أي البحر الممتلئ المتهيّج الشديد بالتمّوج والوفور والفيضان .
وهذا المعنى في عالم المادّة : أثر من ظهور الرحمة في مسير العالم ، أو أثر من بروز الغضب والنقمة إذا تجاوز حدّ الاعتدال والرحمانيّة واللطف .
وأمّا في عالم الملكوت والحقيقة الروحانيّة : فإشارة إلى الفيوضات الرّبانيّة والرحمة المسترسلة والبحر الموّاج المبسوط من الأنوار الإلهيّة .
وأمّا التعبير بالتسجير دون السجر : إشارة إلى التجاوز والخروج عن الاعتدال والجريان الطبيعيّ ، وتحقّق السجر بالجعل الاضافيّ الثانويّ ، وهذا معنى بروز الغضب والنقمة من اللَّه عزّ وجلّ .
ثمّ إنّ الماء لمّا كان مظهر الحياة والرحمة - و . * ( مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) * - فيعبّر في مقام ظهور الرحمة وجريانها بسجر الماء ، والماء المسجور .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 56
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٥٦