ويلزم للسالك أن يجاهد في تثبيت آثار وهو المنزل والتثبّت فيه حتّى لا يبقى له أدنى خلاف في سرّه وعلنه ، ويكون جميع جوارحه وأعضاء بدنه وقلبه في طاعة الله تعالى واتّباعه ، قال عزّ وجلّ - . * ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * - فانّ عبادة الله تعالى والسير في طاعته واتّباعه هو سعادة العبد ، وفيه صلاحه وكماله ، ويقابله الضلال والانحراف عن الحقّ ، واتّباع خطوات الشيطان .
3 - منزل الحمد : ومرجعه إلى رضى العبد وطمأنينة نفسه في قبال قضائه وحكمة تكوينيّا وتشريعيّا ، وكون الربّ تعالى ممدوحا عنده من أيّ جهة وصفة ، من جهة صفاته الذاتيّة وصفاته الفعليّة ، ومن جهة أوامره ونواهيه وتكاليفه المتوجّهة إلى العبيد عامّة أو خاصّة .
فانّ العبد إذا توجّه إلى أنّ صلاحه وسعادته وخيره في اتّباع الأحكام الإلهيّة وفي عبوديّة الربّ وإطاعته وسلوك مرضاته : يعرف أنّ ما يريد ويقضي ويحكم ويقدّر إنّما هو خير وصلاح للعبد ، وما يريد إلَّا إصلاح حاله وتكميل نفسه وإيصال الخير والرحمة اليه .
فهو محمود في جميع فعاله وشئونه ، ليس في حكمه وهن ، ولا في عمله ضعف ولا في قوله خلاف ، ولا في تدبيره اختلال ، ولا يتصوّر له نقص ولا حاجة ، وهو غنيّ في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله .
فلا بدّ للعبد من تحقيق هذه الصفات الإلهيّة ومعرفتها واليقين بها ، حتّى يكون مطمئنّا عليها ، وحامدا له على كلّ حال ، لا يبقى في نفسه أدنى درجة من اضطراب واعتراض وترديد .
فتحقّق هذه الصفة وتثبّتها في سرّ السالك إنّما يكون بعد تثبّت العبوديّة ، وما لم يتثبت في هذا المنزل : لا يتوقّع له الارتقاء إلى منزل أعلى .
4 - منزل السياحة : وهو سير معنويّ وحركة روحيّة في الأسماء والصفات والتجلَّيات الإلهيّة ، وتحصيل المعرفة بالحقائق والمعارف اللاهوتية بتهذيب النفس وتزكيتها وتسليمها ورفع الحجب بتأييد الله المتعال وحوله وقوته ولطفه وعنايته وتوفيقه .
وهذا المعنى إنّما يتحقّق بالاتّصاف بالصفات العليا الإلهيّة ، والتمكَّن في
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 285
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٨٥