وأمّا حروف التهجّي : فباعتبار انتهاء الكلمة إليها ، كالنقطة من الخطَّ .
وأمّا المحراف : فهو آلة بها يتعدّى إلى أطراف الجراحة للسبر والتقدير .
ولا يبعد أن نقول : إنّ المأخوذ في مفهوم هذه المادّة قيدان ، قيد الطرف وقيد العدول والخروج عن الموضع . فيكون مفهوم المادّة عبارة عن عدول شيء عن موضعه واستقراره في الطرف ، أو جعل شيء في الطرف عن موضعه .
وبملاحظة هذين القيدين قد يغلب عليها الانحراف والميل ويكون النظر في المرتبة الأولى إلى العدول ، وقد يغلب عليها جهة الوقوع في الطرف .
وبهذا القيد يظهر الفرق بين الحرف والطرف والجنب - راجع الجنب .
* ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِه ِ ) * - 4 / 46 .
أي يجعلون الكلمات والجملات خارجة عمّا وضعت لها وفيها ويضعونها في أطراف تلك المواضع ، وهذا التحريف إمّا من جهة المعنى فيكون المراد من المواضع المصاديق ، أو من جهة الظاهر والمكان والمحلّ لها فيكون المراد تغيير محالَّها إلى أطراف تلك المواضع . وأمّا تبديل الكلمة بكلمة أخرى : فليس بتحريف .
ثمّ إنّ الطرف في كلّ شيء بالنسبة إليه ، فصدق التحريف عن المواضع : إنّما يتحقّق إذا وقع الخروج والعدول عن المواضع إلى أطرافها ، لا التجاوز عن الأطراف ، ولا أن يتبدّل الموضوع المحرّف .
* ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِه ِ ) * - 5 / 44 .
أي يبتدئ زمان تحريفهم من أوّل زمان تثّبت الكلم وتحقّقها ، أي بعد أن ثبتت الكلم لفظا ومعنى ومصداقا ومفهوما وموضعا وعملوا بها : شرعوا في التحريف ، وهذا كما في الآية الكريمة :
* ( يَسْمَعُونَ كَلامَ ا للهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَه ُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوه ُ ) * - 2 / 75 .
أي بعد زمان ثبوت الكلام في موضعه وتعقّلهم وعلمهم به .
فلا يخفى لطف التعبير بالتحريف دون التبديل والتغيير : فانّ التبديل في كلمة أو كلام غير ممكن عادة مع تعدّد النسخ وانتشارها .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 199
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٩٩