والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو بلوغ المحصول من الزرع وتحصيل النتيجة منه ، وهذا المعنى إنّما يتحقّق بعد الزرع وقبل الحصاد ، وفي هذا المقام ظهور ما زرع واخضراره وتجلَّيه .
ويدلّ على هذا المعنى قوله تعالى :
* ( أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَه ُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) * - 56 / 63 .
أي قد زرعتموه أوّلا حتّى تحرثونه .
وكذلك قوله تعالى : . * ( وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ) * - 2 / 205 .
فانّ إهلاك الزرع قبل ظهوره وبدوّه أو بعد حصاده لا معنى له .
وهكذا : . * ( أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ) * - 88 / 22 .
فإنّ الصرم إنّما يتعلَّق على الحرث الظاهر الموجود خارجا .
* ( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) * - 2 / 223 .
أي إنّهن كالحرث يوجب مشاهدتها ابتهاجا ومسرّة ، وهنّ محصولات لما عملتم في الحياة الدنيويّة تسكنون إليها وتعيشون معها وتدّخرونها للنسل : كما قال تعالى :
* ( خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها ) * ، * ( اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) * ، * ( سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْواجَ كُلَّها ) * .
وقد اشتبه على المفسّرين تفسير هذه الآية حيث فسّروا الحرث بالزرع ووقعوا في انحراف عن الحقيقة ، فانّ النساء للسكون إليها والتعيّش معها في الحياة توجب الانس بها مسرّة وبهجة ، والزرع من آثار تلك الحياة .
* ( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِه ِ مِنْها ) * - 42 / 20 .
أي محصولا ممّا يعمل في الحياة الدنيويّة ونتيجة مادّية ، في مقابل محصول اخرويّ كما في : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه .
ثمّ إنّ مفاهيم الكسب والجمع والدرس والسير بالناقة : كلَّها من هذا الأصل
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 187
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٨٧