حلمه وحكمته ، وأجمعوا على تعظيمه وتقديمه وحصروا التقليد به ، فكان للأمة
أبا رحيما تأنس بناحيته وتقضى إليه بدخائلها . وكان للدين الاسلامي والمذهب
الامامي قيما حكيما ، يوقظ لخدمتهم رأيه ، ويسهر لرعايتهما قلبه . وكان شاهد
اللب ، يقظ الفوائد ، كلؤ العين ، شديد الحفاظ ، ضابطا لأموره ، حارسا لامته ،
عظيم الخلق ، رحيب الصدر ، سخي الكف ، زاهدا في الدنيا كل الزهد ،
راغبا فيما عند الله عز وجل إلى الغاية ، زعيما عظيما تخشع امامه عيون الجبابرة
وتعنو له جباه الأكاسرة ، كما قال في رثائه بعض الأفاضل من السادة الاشراف :
قدت السلاطين قود الخيل إذ جنبت * وما سوى طاعة الباري لها رسن
لك استقيدوا على كره لما علموا * بالسوط أدبارهم تدمى إذا حرنوا
لا خوف بعدك أمسى في صدورهم * فليفعلوا كيف شاؤوا انهم أمنوا
وحسبك شاهدا لهذا أمر ( التنباك ) إذ التزمته بريطانيا العظمى من حكومة
إيران العلية على عهد صاحب الجلالة ناصر الدين شاه القاجاري ، فأوجس
ذلك الامام اليقظان خيفة على استقلال إيران أن يمس بسوء ، فتلافى الخطر
بفتوى أصدرها تقتضي تحريم استعمال ( التنباك ) معلنا غضبه وسخطه من الدولتين
بما تعاقدتا عليه من الالتزام . فهاج الشعب الإيراني هياج البحر بعواصف
الزعازع ، وزلزلت الأرض زلزالها ، وأعرض الشعب بأجمعه عن استعمال التنباك
وعاملوه معاملة الأبرار للخمر واستمروا على ذلك ، فلم يكن للدولتين بد من
فسخ ذلك الالتزام ونقض ذلك التعاقد على الرغم منهما معا وعلى ضرر تكبدتاه
في الماديات والمعنويات ، و " رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى
الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا " 1 ) .
هامش
1 ) وحينئذ أعلن الامام الشيرازي أن حرمة استعمال التنباك زرعا وبيعا وشراء وتدخينا
وغير ذلك من أنواع الاستعمال أنما كانت بالعرض لا بالذات ، وحيث ارتفع المحذور فقد
ارتفع الحرمة وأصبح الناس فيه أحرارا ، فرجع الناس إلى عاداتهم .