الخطاب ، وحرب بن ميمون الأصغر أبو عبد الرحمان صاحب
الأغمية ، قال : وهذا مما وهم فيه البخاري ، وأول من نبهني على
ذلك علي بن عمر ، وقال لي : إن مسلم بن الحجاج تبعه على
ذلك ، وجعل الاثنين واحدا ، وقال لي : من ها هنا نستدل على أن
مسلما تبع البخاري ، وأنه نظر في علمه فعمل عليه ( 1 ) .
هامش
( 1 ) الذي في تاريخ البخاري الكبير المطبوع ترجمتان ، الأولى برقم 230 قال فيها " حرب بن
ميمون ، أبو عبد الرحمان صاحب الأغمية البصري ، كناه علي بن أبي هاشم . قال محمد بن عقبة : كان
حرب مجتهدا . سمع حبيب بن حجر ، وهشام بن حسان . وقال ابن أبي الأسود : حدثنا حبان ، قال :
حدثنا حرب بن ميمون ، عن خالد ، عن أبي إياس . . " والثانية برقم 235 وهي : " حرب بن ميمون ،
يقال : أبو الخطاب البصري مولى النضر بن أنس الأنصاري عن أنس . سمع منه يونس بن محمد . قال
سليمان بن حرب : هذا أكذب الخلق " .
وقال الشيخ العلامة عبد الرحمان بن يحيى اليماني رحمه الله في تعليقه على تاريخ البخاري
الكبير ( 3 / 65 ) : " وفي تعقبات عبد الغني المصري المطبوعة آخر هذا الكتاب ( 4 / 2 / 453 )
اعتراض على المؤلف بأنه جمعهما ، وحكى عن المؤلف ما لا يوجد في هذه الترجمة ( رقم 235 ) ولا في
ترجمة صاحب الأغمية ( رقم ( 230 ) وحكى المزي عبارة عبد الغني ولم يتعقبها وكذلك ابن حجر ، وكنت
أتعجب من ذلك ثم راجعت الميزان ( بشار : 1 / 470 الترجمة 1772 ) فتبين منه أنهم اعتمدوا صنيع
المؤلف في كتاب " الضعفاء الكبير " فكأن المؤلف رحمه الله جمعهما أولا ثم أصلح ذلك في التاريخ ولم
يتفرغ لاصلاحه في كتاب " الضعفاء " ، وقد كان عليهم أن ينبهوا على ما وقع في التاريخ من الاصلاح . أما
ابن أبي حاتم ففي نسختنا من كتابه ترجمة واحدة لصاحب الأغمية ( رقم 1116 ) ولم يذكر هذا
الأنصاري " .
وقال رحمه الله معلقا على قول سليمان بن حرب : " هذا أكذب الخلق " التي وردت في المطبوع
من تاريخ البخاري في ترجمة حرب بن ميمون أبي الخطاب البصري الأنصاري : " في تهذيب المزي
وتهذيبه لابن حجر حكاية هذه العبارة عن المؤلف في ترجمة صاحب الأغمية المتقدم رقم ( 230 ) ، وفي
الميزان : فقال البخاري : حدثني علي بن نصر ، قال : قلت لسليمان بن حرب : حدثنا مسلم بن
إبراهيم ، حدثنا حرب بن ميمون ، قال : شهدت الحسن ومحمد بن سيرين يغسلان النضر بن أنس ، فقال
سليمان بن حرب : هذا من أكذب الخلق . حدثني حماد بن زيد عن أيوب ، قال : قيل لمحمد : لم لم
تشهد جنازة الحسن ؟ قال : مات أعز أهلي علي النضر بن أنس فما أمكنني أن أشهده " . وذكر ابن أبي
حاتم " مسلم بن إبراهيم " في الرواة عن صاحب الأغمية ، وكذلك صنع المزي ، ولكن ما ندري على ماذا
اعتمد ابن أبي حاتم مع أنه ليس عنده إلا ترجمة واحدة كما مر ، فأما المزي فلعله قلده ، والذي يظهر أن
الحامل لهم على صرف هذه العبارة إلى صاحب الأغمية أن ابن المديني وعمرو بن علي قد ليناه ووثقا هذا
الأنصاري ، ولكن رأى البخاري بعد أن تبين له أنهما اثنان أن القصة التي حكاها علي بن نصر عن حرب بن
ميمون تتعلق بالنضر بن أنس فكان ذلك مشعرا بأن حرب بن ميمون الذي حكاها هو مولى النضر بن أنس ،
وقد يجاب عن تكذيب سليمان له بأنه اعتمد على ما حكاه عن ابن سيرين أنه لم يشهد النضر بن أنس ،
ولعله شهد غسله ، ثم عرض له شغل فانصرف ولم يشهد الصلاة والدفن ، فقوله : " فما أمكنني أن أشهده "
أي أن أشهد الصلاة عليه ، لأنه إنما سئل عن عدم شهوده جنازة الحسن أي الصلاة عليه ودفنه ، كما هو
المتبادر ، فتأمل ، والله أعلم " انتهى .
قال العبد المسكين أبو محمد بشار بن عواد محقق هذا الكتاب : قد تأملت كلام العلامة اليماني
وتدبرته ، فوجدته قد صرفه إلى غير وجهه وبناه على أساس أن البخاري قد ذكر ترجمتين في " تاريخه
الكبير " ولو تدبر الامر أكثر من ذلك لوجد أن وجود هاتين الترجمتين في تاريخ البخاري الكبير فيه نظير من
عدة أوجه :
الوجه الأول : ان عبد الغني بن سعيد إنما تعقب تاريخ البخاري الكبير ، وقد ولد سنة 332 وتوفي
سنة 409 ، فكيف لم ينتبه إلى هذا " الاصلاح " إن كان البخاري أصلحه ؟
الوجه الثاني : ان العلامة مغلطاي لم يشر إلى وجود ترجمتين في تاريخ البخاري الكبير مع عنايته
الفائقة في تعقب المؤلف المزي في أمور أقل أهمية من هذا بكثير ، علما بأنه كان شديد الكلف بتاريخ
البخاري الكبير كثير المراجعة له مما يدل على أنه وجد كلام عبد الغني بن سعيد ، ونقل المزي له ،
صحيحا ، ثم كيف فات الامر على جملة حفاظ عنوا بهذا الامر ، ومنهم الحافظ ابن حجر ؟ !
الوجه الثالث ، وهو أقوى الأدلة التي استدل بها : ما نقله ابن عدي في " الكامل " ( 1 / الورقة
288 ) وهو من الذين خلطوا الترجمتين ، قال : " سمعت ابن حماد يقول : قال البخاري : حرب بن ميمون
أبو الخطاب ، مولى النضر بن أنس سمع منه يونس بن محمد ، قال سليمان بن حرب : هذا أكذب
الناس " . ورأيت البخاري في تاريخه الكبير ( يقول ) : " حرب بن ميمون أبو عبد الرحمان البصري
صاحب الأغمية مولى النضر بن أنس الأنصاري ، سمع عطاء والنضر بن أنس وخالد بن أيوب ، روى عنه
( ؟ ) وحرمي بن عمارة وعبد الله بن أبي الأسود ومحمد بن بلال ، قال محمد بن عقبة : كان حرب
مجتهدا " .
فأين هذه الترجمة التي نقلها ابن عدي من تاريخ البخاري الكبير في التاريخ الكبير المطبوع ؟ ! وقد
لاحظ ابن عدي ان ما حدثه ابن حماد الدولابي عن البخاري يختلف عما وجده في تاريخه الكبير ، لذلك
قال : " ورأيت البخاري في تاريخه الكبير " . ومن هنا يظهر أن النسخ المتداولة من تاريخ البخاري إلى
عصر المزي في الأقل لم تكن تحتوي إلا على ترجمته واحدة هي التي نقلها أو نقل بعضها ابن عدي
في " الكامل " فلعل بعضهم غير في بعض النسخ ، والله أعلم .
الوجه الرابع : قول أبي بكر الخطيب في كتابه " المتفق والمفترق " : " أبو الخطاب روى عن عطاء
والنضر بن أنس وكان ثقة . وحرب بن ميمون أبو عبد الرحمان صاحب الأغمية حدث عن خالد الحذاء
وهشام بن حسان ، وكان ضعيفا . جعل البخاري ومسلم هذين رجلا واحدا ، وقد شرحنا ذلك في كتابنا
" الموضح " وأوردنا من الحجة في كونهما اثنين ما يزول معه الشك ويرتفع به الريب " ( وراجع موضح
أوهام الجمع والتفريق : 1 / 96 ) .
قال بشار أيضا : وتوهم الحافظ ابن حجر فذكر في ترجمة أبي الخطاب حرب بن ميمون الذي روى له
مسلم أن ابن حبان ذكره في كتاب " الثقات " وقال يخطئ ( تهذيب : 2 / 226 ) ، والصحيح أن ابن حبان
ذكر حرب بن ميمون الأصغر في " الثقات " فقال : " حرب بن ميمون أبو عبد الرحمان الذي يقال له صاحب
الأغمية بصري يروي عن أيوب ، وكان متعبدا ، روى عنه البصريون ، يخطئ ، وليس هذا بحرب بن
ميمون أبي الخطاب ، ذاك واه ( الورقة 84 من ترتيب الهيثمي ) ، ثم ذكر حرب بن ميمون أبا الخطاب في
" المجروحين " وقال : " وقد قيل : إنه صاحب الأغمية ، روى عنه يونس بن محمد المؤدب ، يخطئ
كثيرا حتى فحش الخطأ في حديثه ، كان سليمان بن حرب يقول : هو أكذب الخلق " ( 1 / 261 ) .
ويلاحظ أن كثيرا من العلماء ، منهم ابن حبان ، وابن عدي ، والذهبي ، إنما ذكروا قول سليمان بن
حرب : " كان أكذب الخلق " في أبي الخطاب الأنصاري ، لذلك رد الذهبي على قول سليمان في " السير "
فقال : " قلت : هذه عجلة ومجازفة ، أو لعله عنى آخر لا أعرفه " ، وقال في " الديوان " : " ثقة رماه
بالكذب سليمان بن حرب " ، وقال في " المغني " : " ثقة غلط من تكلم فيه ، وهو صدوق " . قال بشار :
لا يصح اطلاق لفظ " ثقة " عليه على وجه الاطلاق ، بعد ما قدمنا .