أولا ، وعلى فرض لزومه فتارة : يكون فتوى الأعلم موافقا لفتوى غيره ، وأخرى
يكون مخالفا ، معلوما بالعلم التفصيلي ، أو بالعلم الاجمالي ، وثالثة : يكون مجهول
المخالفة والموافقة وقبل الخوض فيما يسوقنا إليه الأدلة لابد من تأسيس الأصل
فنقول : الأصل حرمة العمل بغير العلم ، كما أوضحنا سبيله في مبحث حجية الظن ، ولا خفاء
في أن الرجوع إلى الغير لاخذ الفتوى ، وتطبيق العمل على قوله ، عمل بمالا يعلم
العامل كونه مطابقا للواقع ، من غير فرق بين أن يكون مدرك جوازه ، السيرة
العقلائية أو الاجماع أو غيرهما من الروايات ، خرج عنه ، بضرورة الفقه والدين ، العمل
بقول الأعلم ، لامتناع قيام الناس كلهم على الاجتهاد وبطلان وجوب العمل
بالاحتياط ، أو التبعيض فيه ، وبقى الباقي ، تحت المنع المسلم ، فلا يخرج عنه
الا بالدليل هذا هو مقتضى الأصل الأولى .
وربما يقرر الأصل على وجه آخر ، وهو ان العلم الضروري حاصل لكل واحد من
المكلفين ، بوجود تكاليف في الوقائع ، فلا يجوز له الاهمال ، لوجود العلم بالتكاليف الجدية
ولا الاحتياط لاستلزامه العسر والحرج بل الاختلال في النظام ولا الرجوع إلى قول
المفضول لاستلزامه ترجيح المفضول على الفاضل وهو قبيح ، ولا يمكن تحصيل الاجتهاد
لقضاء الضرورة على خلافه ، فتعين العمل بقول الفاضل وهو المطلوب .
وفيه أولا : ان العلم الاجمالي بوجود تكاليف في الوقائع والحوادث ، منحل
بالرجوع إلى فتاوى الاحياء من المجتهدين ، وليس له فيما ورائها علم أصلا ،
فيحكم العقل عندئذ ، الاخذ بأحوط الأقوال منهم ، ولا يلزم العسر ولا الحرج
فضلا عن الاختلال .
وثانيا : ان الاخذ برأي غير الأعلم ، ليس من قبيل ترجيح المرجوح على الراجح
إذ ربما يتفق كثيرا ، مطابقة قوله مع فتوى من هو اعلم من الاحياء عامة ، على أن الرجوع
إلى فتوى الغير من قبيل الرجوع إلى الامارات ، وربما يحتف فتوى المفضول بقرائن
أو يوجد فيه خصوصيات ، يصير أقرب إلى الواقع أضف إليه ، ان لازم ما ساقه من
المقدمات هو التبعيض في الاحتياط على حد لا يستلزم العسر ، لا الرجوع إلى الأعلم .
تهذيب الأصول تقرير أبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني ( دار الفكر ) — صفحة 162
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٦٢