وللإمام أن يحتاط لأموال المسلمين وتركات من قضى منهم ليصل إلى مستحقّيه دون غيرهم ، وليس إذا التمس الوليد بن عقبة ما لا يستحقّ فمنع منه كان ذلك لغلول المانع له بما التمسه ولا لتغلَّبه عليه ، ولا قول الوليد أيضا مسموع ، ولا شهادته مقبولة ، مع نزول القرآن بتفسيقه ، قال تبارك وتعالى اسمه : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ) * .
وقد روى أهل التفسير أنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة ، حين أنفذه النبي صلَّى اللَّه عليه وآله إلى قوم يقبض منهم الصدقات ، فعاد مدّعيا عليهم ، أنّهم منعوه من ذلك ، وخرجوا إلى حربه ، فأعدّ رسول اللَّه جماعة لحربهم ، فورد واردهم بتكذيب الوليد وأنّهم على الإسلام والطاعة ، فأنزل اللَّه تعالى فيه ما أثبتناه ( 1 ) .
وجاء في الحديث المشهور ، أنّ الوليد قال لأمير المؤمنين في محاورة جرت بينهما : أنا أبسط منك لسانا وأحّد سنانا ، فقال له عليه السّلام : أسكت يا فاسق ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية : أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) * ( 2 ) ( 3 ) .
وبعد فلو كانت الادراع والنجائب التي قبضها أمير المؤمنين عليه السّلام بعد قتل عثمان ملكا له ، لكان أولاده وأزواجه أحقّ بها من الوليد ، وكان ارتباط عليّ عليه السّلام ليوصلها إلى ورثته أولى من تسليمها إلى الوليد وأمثاله من بني أميّة ، الذين ليس لهم من تركة عثمان نصيب على حال ، فكيف وقد ذكر الناس في هذه الادراع والنجائب أنّها من الفيء ، الذي يستحقّه المسلمون ، فغلب عليها عثمان واصطفاها لنفسه ، فلمّا بايع الناس عليّا عليه السّلام انتزعها من موضعها ليجعلها في مستحقّيها ، فما في ذلك من تهمة بقتل عثمان لولا العمى والخذلان ( 4 ) .
هامش
( 1 ) رواه البغوي في تفسيره بهامش الخازن 6 : 185 والآلوسى في روح المعاني 26 : 144 . انظر أيضا : مغازي الواقّدي 2 : 980 - 981 ، وسيرة ابن هشام 3 : 308 ، وتفسير الطبري 26 : 78 - 79 ، والأغاني 5 : 141 ، والتبيان 9 : 343 ، وأسباب النزول 261 - 263 ، والكشاف 4 : 359 ، ومجمع البيان 9 : 132 ، والتفسير الكبير 28 : 119 ، وتفسير ابن كثير 28 : 119 ، وتفسير ابن كثير 4 : 223 ، والدرّ المنثور 6 : 553 .
( 2 ) السجدة : 18 .
( 3 ) انظر : الدر المنثور للسيوطي ( 4 : 178 ) وتفسير الخازن ( 3 : 270 ) والأغاني ( 4 : 185 ) وابن أبي الحديد 2 : 103 .
( 4 ) الجمل : 115 ، والمصنفات 1 : 216 .