نسخ شيئا منها على جميع الوجوه والأسباب ( 1 ) .
ذكر أبو جعفر [ الصدوق ] : أنّ النسيان ( 2 ) من اللَّه يجري مجرى المخادعة منه للعصاة ، وأنّه سمّى ذلك باسم المجازي عليه .
قال أبو عبد اللَّه : الوجه فيه غير ذلك ، وهو أنّ النسيان في اللغة هو الترك والتأخير .
قال اللَّه تعالى : * ( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ) * . يريد ما ننسخ من آية ( أو - ظ ) نتركها على حالها أو نؤخّرها ، فالمراد بقوله تعالى : نَسُوا اللَّه تركوا إطاعة اللَّه تعالى وقوله : فَنَسِيَهُمْ ، يريد به تركهم من ثوابه وقوله تعالى : فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ ( 3 ) أي ألجأهم إلى ترك تعاهدها ومراعاتها بالمصالح بما شغلهم به من العقاب .
فهذا وجه [ وجهه ] وإن كان ذلك وجها غير منكر ، واللَّه ولي التوفيق ( 4 ) .
وكان ممّن وفد عليه أبو حارثة أسقف نجران في ثلاثين رجلا من النصارى ، منهم العاقب والسيّد وعبد المسيح ، فقدموا المدينة وقت صلاة العصر وعليهم لباس الديباج
هامش
( 1 ) أوائل المقالات : 140 ، والمصنفات 4 : 122 .
( 2 ) قوله تعالى : * ( نَسُوا اللَّه فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) * سورة التوبة : 67 . قد سبق الأصل في تفسير أمثال هذه في آية * ( اللَّه يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) * إلخ ، وآيات أخرى أنّ ذلك وارد مورد تمثيل العمل وتشبيه الفاعل في ظاهر فعله كقولهم " فلان نام عن حقه وتحزم لحق غيره " ، وقولهم لمن أساء على من أحسنوا إليه : " نسيت الجميل " في حين أنّه غير ناس ، لكنّه يعمل عمل الناسي أي الإساءة على المحسن ، نظير اتخاذ البلغاء غير الجاحد جاحدا إذا وجدوه عاملا عمل المنكرين ، كقول الشاعر :جاء شقيق عارضا رمحه
أنّ بني عمّك فيهم رماحوبالجملة فالوجه الذي استقبلناه في تأويل الآيات هو الاستعارة ، والوجه الذي استقبله الصدوق أبو جعفر رضى اللَّه عنه أشبه بالمجاز المرسل .
وأمّا تأويل النسيان إلى معنى الترك كما أفاده الشيخ المفيد رضى اللَّه عنه فماله إلى الاشتراك اللفظي .
( 3 ) الحشر : 19 .
( 4 ) تصحيح الاعتقاد : 22 ، والمصنفات 5 : 38 .