تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الصراط المستقيم — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
قال بعد هذه الآية بفصل قليل : * ( ويَجْعَلُونَ لِلَّه الْبَناتِ سُبْحانَه ولَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ) * « 1 » ، الآيات . على أنّه قد يقال : لا نزاع في انّ الملائكة أشدّ قوّة وقدرة من البشر ، ولو في زعم المخاطبين واعتقادهم ، فكأنّه يقول إنّ الملائكة مع شدّة قوّتهم وطول أعمارهم لا يتركون العبوديّة لحظة واحدة فالبشر مع ضعفهم وعروض الفتور والهرم والمرض بالنّسبة إليهم أولى بأن لا يتركوا العبادة ، وهذا القدر كاف في صحّة الاستدلال ، وأين هذا من الدّلالة على الأفضليّة بمعنى كثرة الثواب والأقربيّة ؟ ثمّ انّه يحتمل في الآية أن يكون * ( مِنْ دابَّةٍ ) * بيانا للموصولة * ( والْمَلائِكَةُ ) * عطفا عليها لظهور الدّبيب في حركة الأجسام ، فيكون المراد استيعاب الماديات والمجرّدات بناء على القول بتجرّد الملائكة ولذا استدلّ بها عليه على ما يأتي . ومنها قوله تعالى : * ( ولَه مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ ومَنْ عِنْدَه لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِه ولا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ) * « 2 » . والتقريب قريب ممّا مرّ من جهة التخصيص بعد التعميم للتشريف والتكريم والتوصيف بدوام التّسبيح ونفي الاستكبار والاستحسار والفتور ، على أنّ المراد بالعنديّة عنديّة القرب والشرف لا عنديّة المكان والجهة . والجواب ظاهر بعد ما سمعت ، والعنديّة حاصلة للمؤمنين أيضا : * ( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) * « 3 » ، وفي القدسيات : أنا عند المنكسرة قلوبهم « 4 » .
هامش
( 1 ) النحل : 57 . ( 2 ) الأنبياء : 19 - 20 . ( 3 ) القمر : 55 . ( 4 ) في البحار : ج 73 ص 157 : قيل لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : أين اللَّه ؟ فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : عند المنكسرة قلوبهم .