تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الصراط المستقيم — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
وأمّا ما يقال من أنّا لا نسلَّم أنّ نبوّة نبينا صلَّى اللَّه عليه وآله بل وغيره من الأنبياء عليهم السّلام لا يصحّ إلَّا مع القول بالنسخ ، لاحتمال أن يكون شرع من سبقه محدودا إلى بعثته ، إذ من الجائز أنّ موسى وعيسى عليهم السّلام أمر الناس بشرعهم إلى ظهور محمد صلَّى اللَّه عليه وآله ، ثمّ بعد ذلك أمرا الناس باتباع شرعه فبعد ظهوره زال التكليف بشرعهما وحصل التكليف بشرع محمد صلَّى اللَّه عليه وآله بمقتضى أمرهما ، ومثله لا يكون نسخا ، بل جاريا مجرى قوله : * ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) * « 1 » بل قيل : إنّ المسلمين الذين أنكروا وقوع النسخ أصلا بنوا مذهبهم على هذا الكلام ، نظرا إلى أنّه قد ثبت في القرآن أنّ موسى وعيسى بشّرا في التوراة والإنجيل بمبعث محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله ، وأنّ بالفتح عند ظهوره يجب الرجوع إلى شرعه ، ومعه يمتنع الجزم بالنسخ . ففيه أنّا لا نعني بالنسخ إلَّا زوال الحكم الثابت سابقا ، وإبطاله بعد ثبوته والتعبّد به ، بلا فرق بين كون الحكمين في شريعة واحدة ، أو في شريعتين ، ولا بين الإخبار بزواله وعدمه ، فكلّ من الكليم والمسيح عليهم السّلام وإن بشّرا قومهما برسول يأتي من بعدهما اسمه أحمد ، وأمرا الناس باتّباع الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ، إلَّا أنّ هذا إخبار منهما ببطلان حكم شريعتهما بعد قدومه ، لا أنّ التديّن بشريعته صلَّى اللَّه عليه وآله من أحكام شريعتهما ، بل كونه إخبارا عن انتهاء حكم شريعتهما بشريعته لا يخرجه عن النسخ كما توهم ، بل كأنّه إختيار لأحد
هامش
( 1 ) البقرة : 178 .