تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ( 64 ) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ( 65 ) * ( فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ) * فأزمعوه واجعلوه مجمعا عليه لا يتخلف عنه واحد منكم . وقرأ أبو عمرو * ( فَأَجْمِعُوا ) * ويعضده قوله * ( فَجَمَعَ كَيْدَه ) * والضمير في * ( قالُوا ) * إن كان للسحرة فهو قول بعضهم لبعض . * ( ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ) * مصطفين لأنه أهيب في صدور الرائين . قيل كانوا سبعين ألفا مع كل واحد منهم حبل عصا وأقبلوا عليه إقبالة واحدة . * ( وقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ) * فاز بالمطلوب من غلب وهو اعتراض . * ( قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ) * أي بعد ما أتوا مراعاة للأدب و * ( أَنْ ) * بما بعده منصوب بفعل مضمر أو مرفوع بخبرية محذوف ، أي اختر إلقاءك أولا أو إلقاءنا أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا .
قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْه مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ( 66 ) * ( قالَ بَلْ أَلْقُوا ) * مقابلة أدب بأدب وعدم مبالاة بسحرهم ، وإسعافا إلى ما أوهموا من الميل إلى البدء بذكر الأول في شقهم وتغيير النظم إلى وجه أبلغ ، ولأن يبرزوا ما معهم ويستنفذوا أقصى وسعهم ثم يظهر اللَّه سلطانه فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه . * ( فَإِذا حِبالُهُمْ وعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْه مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ) * أي فألقوا فإذا حبالهم وعصيهم ، وهي للمفاجأة والتحقيق أنها أيضا ظرفية تستدعي متعلقا ينصبها وجملة تضاف إليها ، لكنها خصت بأن يكون المتعلق فعل المفاجأة والجملة ابتدائية والمعنى : فألقوا ففاجأ موسى عليه الصلاة والسلام وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم ، وذلك بأنهم لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمس اضطربت فخيل إليه أنها تتحرك . وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان وروح « تخيل » بالتاء على إسناده إلى ضمير الحبال والعصي ، وإبدال أنها * ( تَسْعى ) * منه بدل الاشتمال ، وقرئ « يخيل » بالياء على إسناده إلى اللَّه تعالى ، و « تخيل » بمعنى تتخيل .
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِه خِيفَةً مُوسى ( 67 ) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى ( 68 ) وأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى ( 69 ) * ( فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِه خِيفَةً مُوسى ) * فأضمر فيها خوفا من مفاجأته على ما هو مقتضى الجبلة البشرية ، أو من أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه . * ( قُلْنا لا تَخَفْ ) * ما توهمت . * ( إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى ) * تعليل للنهي وتقرير لغلبته مؤكدا بالاستئناف ، وحرف التحقيق وتكرير الضمير وتعريف الخبر ولفظ العلو الدال على الغلبة الظاهرة وصيغة التفضيل . * ( وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ ) * أبهمه ولم يقل عصاك تحقيرا لها أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العويدة الَّتي في يدك ، أو تعظيما لها أي لا تحتفل بكثرة هذه الأجرام وعظمها فإن في يمينك ما هو أعظم منها أثرا فألقه . * ( تَلْقَفْ ما صَنَعُوا ) * تبتلعه بقدرة اللَّه تعالى ، وأصله تتلقف فحذفت إحدى التاءين ، وتاء المضارعة تحتمل التأنيث والخطاب على إسناد الفعل إلى المسبب . وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان بالرفع على الحال أو الاستئناف وحفص بالجزم والتخفيف على أنه من لقفته بمعنى تلقفته . * ( إِنَّما صَنَعُوا ) * أن الَّذي زوروا وافتعلوا . * ( كَيْدُ ساحِرٍ ) * وقرئ بالنصب على أن ما كافة وهو مفعول صنعوا . وقرأ حمزة والكسائي « سحر » بمعنى ذي سحر ، أو بتسمية الساحر سحرا على المبالغة ، أو بإضافة الكيد إلى السحر للبيان كقولهم : علم فقه ، وإنما وحد الساحر لأن المراد به الجنس المطلق ولذلك قال : * ( ولا يُفْلِحُ السَّاحِرُ ) * أي هذا الجنس وتنكير الأول