تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوه بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) وقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْه مَلَكٌ ولَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) * ( وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ ) * مكتوبا في ورق . * ( فَلَمَسُوه بِأَيْدِيهِمْ ) * فمسوه ، وتخصيص اللمس لأن التزوير لا يقع فيه فلا يمكنهم أن يقولوا إنما سكرت أبصارنا ، ولأنه يتقدمه الإبصار حيث لا مانع ، وتقييده بالأيدي لدفع التجوز فإنه قد يتجوز به للفحص كقوله : * ( وأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ ) * * ( لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) * تعنتا وعنادا . * ( وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْه مَلَكٌ ) * هلا أنزل معه ملك يكلمنا أنه نبي كقوله : * ( لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْه مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَه نَذِيراً ) * . * ( ولَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ) * جواب لقولهم وبيان هو المانع مما اقترحوه والخلل فيه ، والمعنى أن الملك لو أنزل بحيث عاينوه كما اقترحوا لحق إهلاكهم فإن سنة اللَّه قد جرت بذلك فيمن قبلهم . * ( ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ) * بعد نزوله طرفة عين .
ولَوْ جَعَلْناه مَلَكاً لَجَعَلْناه رَجُلاً ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) * ( وَلَوْ جَعَلْناه مَلَكاً لَجَعَلْناه رَجُلاً ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ) * جواب ثان إن جعل الهاء للمطلوب ، وإن جعل للرسول فهو جواب اقتراح ثان ، فإنهم تارة يقولون لولا أنزل عليه ملك ، وتارة يقولون لو شاء ربنا لأنزل ملائكة . والمعنى ولو جعلنا قرينا لك ملكا يعاينونه أو الرسول ملكا لمثلناه رجلا كما مثل جبريل في صورة دحية الكلبي ، فإن القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك في صورته ، وإنما رآهم كذلك الأفراد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقوتهم القدسية ، وللبسنا جواب محذوف أي ولو جعلناه رجلا للبسنا أي : لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم فيقولون ما هذا إلا بشر مثلكم . وقرئ « لبسنا » بلام واحدة و « للبّسنا » بالتشديد للمبالغة .
ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِه يَسْتَهْزِءوُنَ ( 10 ) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) * ( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ) * تسلية لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما يرى من قومه . * ( فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِه يَسْتَهْزِءوُنَ ) * فأحاط بهم الذي كانوا يستهزئون به حيث أهلكوا لأجله ، أو فنزل بهم وبال استهزائهم . * ( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) * كيف أهلكهم اللَّه بعذاب الاستئصال كي تعتبروا ، والفرق بينه وبين قوله : * ( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا ) * أن السير ثمة لأجل النظر ولا كذلك ها هنا ، ولذلك قيل معناه إباحة السير للتجارة وغيرها وإيجاب النظر في آثار الهالكين .
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ قُلْ لِلَّه كَتَبَ عَلى نَفْسِه الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيه الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 12 ) ولَه ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ والنَّهارِ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 13 ) * ( قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ ) * خلقا وملكا ، وهو سؤال تبكيت . * ( قُلْ لِلَّه ) * تقريرا لهم وتنبيها على أنه المتعين للجواب بالإنفاق ، بحيث لا يمكنهم أن يذكروا غيره . * ( كَتَبَ عَلى نَفْسِه الرَّحْمَةَ ) * التزمها تفضلا وإحسانا والمراد بالرحمة ما يعم الدارين ومن ذلك الهداية إلى معرفته ، والعلم بتوحيده بنصب الأدلة ، وإنزال الكتب والإمهال على الكفر . * ( لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) * استئناف وقسم للوعيد على إشراكهم وإغفالهم