تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
* ( قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها ) * تمهيد عذر وبيان لما دعاهم إلى السؤال وهو أن يتمتعوا بالأكل منها . * ( وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ) * بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال بكمال قدرته سبحانه وتعالى . * ( ونَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا ) * في ادعاء النبوة ، أو أن اللَّه يجيب دعوتنا . * ( ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ) * إذا استشهدتنا أو من الشاهدين للعين دون السامعين للخبر . * ( قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) * لما رأى أن لهم غرضا صحيحا في ذلك ، أو أنهم لا يقلعون عنه فأراد إلزامهم الحجة بكمالها . * ( اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً ) * أي يكون يوم نزولها عيدا نعظمه . وقيل العيد السرور العائد ولذلك سمي يوم العيد عيدا . وقرئ « تكن » على جواب الأمر . * ( لأَوَّلِنا وآخِرِنا ) * بدل من لنا بإعادة العامل أي عيدا لمتقدمينا ومتأخرينا . روي : أنها نزلت يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيدا . وقيل يأكل منها أولنا وآخرنا . وقرئ « لأولانا وأخرانا » بمعنى الأمة أو الطائفة . * ( وآيَةً ) * عطف على * ( عِيداً ) * . * ( مِنْكَ ) * صفة لها أي آية كائنة منك دالة على كمال قدرتك وصحة نبوتي . * ( وارْزُقْنا ) * المائدة والشكر عليها . * ( وأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) * أي خير من يرزق لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا عوض .
قالَ اللَّه إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُه عَذاباً لا أُعَذِّبُه أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 115 ) * ( قالَ اللَّه إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ) * إجابة إلى سؤالكم . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم * ( مُنَزِّلُها ) * بالتشديد . * ( فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُه عَذاباً ) * أي تعذيبا ويجوز أن يجعل مفعولا به على السعة . * ( لا أُعَذِّبُه ) * الضمير للمصدر ، أو للعذاب إن أريد ما يعذب به على حذف حرف الجر . * ( أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ) * أي من عالمي زمانهم أو العالمين مطلقا فإنهم مسخوا قردة وخنازير ، ولم يعذب بمثل ذلك غيرهم . روي : أنها نزلت سفرة حمراء بين غمامتين وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم ، فبكى عيسى عليه الصلاة والسلام وقال : اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة ، ثم قام فتوضأ وصلَّى وبكى ، ثم كشف المنديل وقال : بسم اللَّه خير الرازقين ، فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسما وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث ، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد فقال شمعون : يا روح اللَّه أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة قال : ليس منهما ولكن اخترعه اللَّه سبحانه وتعالى بقدرته كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم اللَّه ويزدكم من فضله ، فقالوا : يا روح اللَّه لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال : يا سمكة أحيي بإذن اللَّه تعالى فاضطربت ثم قال لها عودي كما كنت فعادت مشوية ثم طارت المائدة ، ثم عصوا بعدها فمسخوا . وقيل كانت تأتيهم أربعين يوما غبا يجتمع عليها الفقراء والأغنياء والصغار والكبار يأكلون حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظلها ، ولم يأكل منها فقير إلا غني مدة عمره ، ولا مريض إلا بريء ولم يمرض أبدا ، ثم أوحى اللَّه تعالى إلى عيسى عليه السلام أن اجعل مائدتي في الفقراء والمرضى دون الأغنياء والأصحاء ، فاضطرب الناس لذلك فمسخ منهم ثلاثة وثمانون رجلا . وقيل لما وعد اللَّه إنزالها بهذه الشريطة استعفوا وقالوا : لا نريد فلم تنزل . وعن مجاهد أن هذا مثل ضربه اللَّه لمقترحي المعجزات . وعن بعض الصوفية : المائدة هاهنا عبارة عن حقائق المعارف ، فإنها غذاء الروح كما أن الأطعمة غذاء البدن وعلى هذا فلعل الحال أنهم رغبوا في حقائق لم يستعدوا للوقوف عليها ، فقال لهم عيسى عليه الصلاة والسلام : إن حصلتم الإيمان فاستعملوا التقوى حتى تتمكنوا من الاطلاع عليها ، فلم يقلعوا عن السؤال وألحوا فيه فسأل لأجل اقتراحهم ، فبين اللَّه سبحانه وتعالى أن إنزاله سهل ولكن فيه خطر وخوف عاقبة ، فإن السالك إذا انكشف له ما هو أعلى من مقامه لعله لا يحتمله ولا يستقر له فيضل به ضلالا بعيدا .