تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
أي قابلون لما تفتريه الأحبار ، أو للعلة والمفعول محذوف أي : سماعون كلامك ليكذبوا عليك فيه . * ( سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ) * أي لجمع آخرين من اليهود لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبرا وإفراطا في البغضاء ، والمعنى على الوجهين أي مصغون لهم قابلون كلامهم ، أو سماعون منك لأجلهم والإنهاء إليهم ، ويجوز أن تتعلق اللام بالكذب لأن سماعون الثاني مكرر للتأكيد أي : سماعون ليكذبوا لقوم آخرين . * ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِه ) * أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه اللَّه فيها ، إما لفظا : بإهماله أو تغيير وضعه ، وإما معنى : بحمله على غير المراد وإجرائه في غير مورده ، والجملة صفة أخرى لقوم أو صفة لسماعون أو حال من الضمير فيه أو استئناف لا موضع له ، أو في موضع الرفع خبرا لمحذوف أي هم يحرفون وكذلك * ( يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوه ) * أي إن أوتيتم هذا المحرف فاقبلوه واعملوا به . * ( وإِنْ لَمْ تُؤْتَوْه ) * بل أفتاكم محمد بخلافه * ( فَاحْذَرُوا ) * أي احذروا قبول ما أفتاكم به . روي ( أن شريفا من خيبر زنى بشريفة وكانا محصنين فكرهوا رجمهما ، فأرسلوهما مع رهط منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عنه وقالوا : إن أمركم بالجلد والتحميم فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا ، فأمرهم بالرجم فأبوا عنه ، فجعل ابن صوريا حكما بينه وبينهم ، وقال له : أنشدك اللَّه الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ، ورفع فوقكم الطور ، وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن ، قال : نعم . فوثبوا عليه فقال : خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب ، فأمر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالزانيين فرجما عند باب المسجد ) . * ( وَمَنْ يُرِدِ اللَّه فِتْنَتَه ) * ضلالته أو فضيحته * ( فَلَنْ تَمْلِكَ لَه مِنَ اللَّه شَيْئاً ) * فلن تستطيع له من اللَّه شيئا في دفعها . * ( أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّه أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ) * من الكفر وهو كما ترى نص على فساد قول المعتزلة . * ( لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ) * هو أن بالجزية والخوف من المؤمنين . * ( ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) * وهو الخلود في النار ، والضمير للذين هادوا إن استأنفت بقوله ومن الذين وإلا فللفريقين .
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 42 ) * ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) * كرره للتأكيد . * ( أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) * أي الحرام كالرشا من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب في المواضع الثلاثة بضمتين وهما لغتان كالعنق والعنق ، وقرئ بفتح السين على لفظ المصدر . * ( فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) * تخيير لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إذا تحاكموا إليه بين الحكم والإعراض ولهذا قيل : لو تحاكم كتابيان إلى القاضي لم يجب عليه الحكم ، وهو قول للشافعي والأصح وجوبه إذا كان المترافعان أو أحدهما ذميا لأنا التزمنا الذب عنهم ودفع الظلم منهم ، والآية ليست في أهل الذمة ، وعند أبي حنيفة يجب مطلقا . * ( وإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً ) * بأن يعادوك لإعراضك عنهم فإن اللَّه سبحانه وتعالى يعصمك من الناس . * ( وإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ) * أي بالعدل الذي أمر اللَّه به . * ( إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) * فيحفظهم ويعظم شأنهم .
وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّه ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 43 ) * ( وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّه ) * تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به ، والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي هو عندهم ، وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع ، وإنما طلبوا به ما يكون أهون عليهم وإن لم يكن حكم اللَّه تعالى في زعمهم ، و * ( فِيها حُكْمُ اللَّه ) * حال من التوراة إن رفعتها بالظرف ، وإن جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكن فيه وتأنيثها لكونها نظيرة المؤنث