لو قيل : وامسحوا رؤوسكم فإنه كقوله : * ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) * واختلف العلماء في قدر الواجب . فأوجب الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه : أقل ما يقع عليه الاسم أخذا باليقين . وأبو حنيفة رضي اللَّه تعالى عنه : مسح ربع الرأس ، لأنه عليه الصلاة والسلام مسح على ناصيته وهو قريب من الربع . ومالك رضي اللَّه تعالى عنه :
مسح كله أخذا بالاحتياط . * ( وأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) * نصبه نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب عطفا على وجوهكم ويؤيده : السنة الشائعة ، وعمل الصحابة ، وقول أكثر الأئمة ، والتحديد ، إذ المسح لم يحد .
وجره الباقون على الجوار ونظيره كثير في القرآن والشعر كقوله تعالى : * ( عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) * * ( وحُورٌ عِينٌ ) * بالجر في قراءة حمزة والكسائي ، وقولهم جحر ضب خرب . وللنحاة باب في ذلك ، وفائدته التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليها ويغسل غسلا يقرب من المسح ، وفي الفصل بينه وبين أخويه إيماء على وجوب الترتيب . وقرئ بالرفع على « وأرجلكم » مغسولة . * ( وإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) * فاغتسلوا . * ( وإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُمْ مِنْه ) * سبق تفسيره ، ولعل تكريره ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة . * ( ما يُرِيدُ اللَّه لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) * أي ما يريد الأمر بالطهارة للصلاة أو الأمر بالتيمم تضييقا عليكم . * ( ولكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) * لينظفكم ، أو ليطهركم عن الذنوب فإن الوضوء تكفير للذنوب ، أو ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهير بالماء . فمفعول * ( يُرِيدُ ) * في الموضعين محذوف واللام للعلة . وقيل مزيدة والمعنى : ما يريد اللَّه أن يجعل عليكم من حرج حتى لا يرخص لكم في التيمم ، ولكن يريد أن يطهركم وهو ضعيف لأن أن لا تقدر بعد المزيدة . * ( ولِيُتِمَّ نِعْمَتَه عَلَيْكُمْ ) * ليتم بشرعه ما هو مطهرة لأبدانكم ومكفرة لذنوبكم نعمته عليكم في الدين ، أو ليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه . * ( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * نعمته . والآية مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى :
طهارتان أصل وبدل ، والأصل اثنان مستوعب وغير مستوعب ، وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح وباعتبار المحل محدود وغير محدود ، وأن آلتهما مائع وجامد ، وموجبهما حدث أصغر وأكبر ، وأن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر ، وأن الموعود عليهما تطهير الذنوب وإتمام النعمة .
واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّه عَلَيْكُمْ ومِيثاقَه الَّذِي واثَقَكُمْ بِه إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأَطَعْنا واتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 7 )
* ( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّه عَلَيْكُمْ ) * بالإسلام لتذكركم المنعم وترغبكم في شكره . * ( ومِيثاقَه الَّذِي واثَقَكُمْ بِه إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأَطَعْنا ) * يعني الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على السمع والطاعة في العسر واليسر ، والمنشط والمكره ، أو ميثاقه ليلة العقبة أو بيعة الرضوان . * ( واتَّقُوا اللَّه ) * في إنساء نعمته ونقض ميثاقه . * ( إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) * أي بخفياتها فيجازيكم عليها فضلا عن جليات أعمالكم .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّه شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى واتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 8 )
* ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّه شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا ) * عداه بعلى لتضمنه معنى الحمل ، والمعنى لا يحملنكم شدة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل ، كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفيا مما في قلوبكم . * ( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) * أي العدل أقرب للتقوى ، صرح لهم بالأمر بالعدل وبين أنه بمكان من التقوى بعد ما نهاهم عن الجور وبين أنه مقتضى الهوى ، وإذا كان هذا للعدل مع الكفار فما ظنك بالعدل مع المؤمنين . * ( واتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) * فيجازيكم به ، وتكرير هذا الحكم إما لاختلاف السبب كما قيل إن الأولى نزلت في