ثم بين تعالى لم لا يسألهم أموالهم ، فقال ( إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا
ويخرج أضغانكم ) فالاحفاء الالحاح في المسألة حتى ينتهى إلى مثل الحفاء ، والمشي
بغير حذاء ، أحفاه بالمسألة يحفيه إحفاء . وقيل الاحفاء طلب الجميع ( تبخلوا ) أي
تمنعونه . والبخل قال قوم : هو منع الواجب . وقال الرماني : البخل منع النفع الذي
هو أولى في العقل ، قال : ومن زعم أن البخل منع الواجب عورض بأن البخل
منع ما يستحق بمنعه الذم ، لان البخيل مذموم بلا خلاف ، وقد يمنع الواجب الصغير
فلا يجوز وصفه بأنه بخيل ( ويخرج أضغانكم ) لان في سؤال الأموال بالاحفاء
خروج الأضغان وهي الأحقاد التي في القلوب والعداوات الباطنة . وقيل ( الأضغان )
هي المشاق التي في القلوب ، ولذلك ذكر الاخراج . وقيل : ويخرج الله المشقة التي في
قلوبكم بسؤال أموالكم . وإنما قدم المخاطب على الغائب في قوله ( أن يسألكموها )
لأنه ابتداء بالأقرب مع أنه المفعول الأول ، ويجوز مع الظاهر أن يسألها جماعتكم ،
لأنه غائب مع غائب ، فالمتصل أولى بأن يليه من المنفصل .
ثم قال ( ها أنتم هؤلاء ) وإنما كرر التنبيه في موضعين للتوكيد ، فقال
( ها أنتم هؤلاء ) وقيل ( ها ) للتقريب ، ودخل على المضمر لمشاكلة ( إليهم ) في أنه
معرفة تصلح صيغته لكل مكنى عنه على جهة جماعة المخاطب ، كما يصلح ( هؤلاء )
لكل خاص مشار إليه ، ولم يجز مع الظاهر لبعده من المبهم . وقال بعضهم : العرب
إذا زادت التقريب جعلت المكنى بين ( ها ) وبين ( ذا ) ، فيقولون ما أنت ذا قائما ،
لان التقريب جواب الكلام فربما أعادت ( ها ) مع ( ذا ) وربما اجتزأت بالأولى
وحذفت الثانية ، ولا يقدمون ( أنتم ) على ( ها ) لان ( ها ) جواب ، فلا يقرب
بها بعد الكلمة . وقوله ( تدعون لتنفقوا في سبيل الله ) لينيلكم الجزيل من ثوابه
وهو غني عنكم وعن جميع خلقه ( فمنكم من يبخل ) فلا ينفق ماله في سبيل الله .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 310
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٣١٠