خلق العقلاء تعريضا لهم للثواب العظيم ، وما عداهم خلق تبعا لهم لما فيه من
اللطف ، وهذا الغرض لا يتأتى إلا على مذهب العدل ، وأما على مذهب الجبر فلا .
( وصوركم متوجه إلى البشر كلهم ( فأحسن صوركم ) معناه من الحسن الذي يقتضيه العقل لا في قبول الطبع له عند رؤيته ، لان فيهم من ليس بهذه الصفة . وقال
قوم : لا بل هو من تقبل الطبع لأنه إذا قيل : حسن الصورة لا يفهم منه إلا تقبل
الطبع ، وسبيله كسيل قوله لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ) ( 1 ) وإن
كان فيهم المشوه الخلق لان هذا عارض لا يعتد به في هذا الوصف ، والله تعالى
خلق الانسان على أحسن صورة الحيوان كله . والصورة عبارة عن بنية مخصوصة
كصورة الانسان والفرس والطير وما أشبه ذلك .
ثم قال ( واليه المصير ) يعني إليه المرجع يوم القيامة واليه المآل . ثم قال ( يعلم )
يعني الله تعالى بعلم ( ما في السماوات والأرض ) من الموجودات ( ويعلم ما تسرون
وما تعلنون ) أي ما تظهرونه وما تخفونه . وقيل : ما يسره بعضكم إلى بعض وما
تخفوه في صدوركم عن غيركم . والفرق بين الاسرار والاخفاء أن الاخفاء أعم
لأنه قد يخفى شخصه وقد يخفى المعنى في نفسه والاسرار والمعنى دون الشخص ( والله
عليم بذات الصدور ) معناه وهو عالم بأسرار الصدور وبواطنها .
ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله والمؤمنين فقال ( ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل )
يعني من قبل هؤلاء الكفار ( فذاقوا وبال أمرهم ) أي بما سلطه الله عليهم بأن
أهلكهم الله عاجلا واستأصلهم ( ولهم عذاب اليم ) أي مؤلم يوم القيامة .
قوله تعالى :
( ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا
هامش
( 1 ) سورة 95 التين آية 4 .