عن البيان والأطراء ، وليس في وسع الكاتب - مهما تكلف - استكناه ما له من
الأشواط البعيدة في العلم والعمل ، والمكانة الراسية عند الطائفة ، والمنزلة الكبرى في
رياسة الشيعة ، ودون مقام الشيخ المعظم كلما ذكره الاعلام في تراجمهم له من عبارات
الثناء والاكبار ، فمن سبر تاريخ الإمامية ومعاجمهم ، وأمعن النظر في مؤلفات الشيخ
العلمية المتنوعة علم أنه أكبر علماء الدين ، وشيخ كافة مجتهدي المسلمين ، والقدوة
لجميع المؤسسين ، وفي الطليعة من فقهاء الاثني عشرية . فقد أسس طريقة الاجتهاد
المطلق في الفقه وأصوله ، وانتهى اليه امر الاستنباط على طريقة الجعفرية المثلى ،
وقد اشتهر بالشيخ فهو المراد به إذا اطلق في كلمات الأصحاب ، من عصره إلى عصر
زعيم الشيعة بوقته مالك أزمة لتحقيق والتدقيق الحجة الكبرى أبي ذر زمانه الشيخ مرتضى
الأنصاري المتوفى سنة 1281 ه فقد يطلق الشيخ في عصرنا هذا وقبيله ويكون
المراد به الشيخ الأنصاري ، أما في كتب القدماء والسلف فالمراد هو شيخ الطائفة
قدس الله نفسه ( 1 ) .
مضت على علماء الشيعة سنون متطاولة وأجيال متعاقبة ولم يكن من الهين على
أحد منهم ان يعدو نظريات شيخ الطائفة في الفتاوى ، وكانوا يعدون أحاديثه أصلا
مسلما ، ويكتفون بها ، ويعدون التأليف في قبالها ، واصدار الفتوى مع وجودها
تجاسرا على الشيخ وإهانة له ، واستمرت الحال على ذلك حتى عصر الشيخ ابن إدريس
فكان - أعلى الله مقامه - يسميهم بالمقلده ، وهو أول من خالف بعض آراء الشيخ
وفتاواه وفتح باب الرد على نظرياته ، ومع ذلك فقد بقوا على تلك الحال حتى أن
المحقق وابن أخته العلامة الحلي ومن عاصرهما بقوا لا يعدون رأي شيخ الطائفة ، قال
هامش
( 1 ) وقد يقال : الشيخان . ويراد به الشيخ المفيد والشيخ الطوسي ، والشيخان في اصطلاح
المتكلمين هما الجبائيان أبو علي محمد بن عبد الوهاب المتوفي سنة 303 ه ، وابنه أبو هاشم عبد
السلام بن محمد المتوفي سنة 321 ه وكلاهما من رؤساء المعتزلة ، ولهما مقالات على مذهب الاعتزال
والكتب الكلامية مشحونة بمقالاتهما .
ويطلق الشيخ في كتب الحكمة والمنطق على أبي علي الحسين بن عبد الله بن سينا البخاري
المتوفى سنة 428 ه ويطلق الشيخ في كتب البلاغة على الشيخ أبي بكر عبد القاهر الجرجاني
المتوفى سنة 471 ، ه وغير ذلك .