فوقفت على جعفر فبكت فأحزنت وتكلمت فأبلغت ، فقالت : أما والله لئن أصبحت
للناس آية ، لقد بلغت فيهم الغاية ، ولئن زال ملكك ، وخانك دهرك ، ولم يطل
عمرك ، لقد كنت المغبوط حالا ، الناعم بالا ، يحسن بك الملك ، وينفس بك الهلك ، أن
تصير إلى حالك هذه ، ولقد كنت الملك بحقه ، في جلالته ونطقه ، فاستعظم الناس
فقدك ، إذ لم يستخلفوا ملكا بعدك ، فنسأل الله الصبر على عظيم الفجيعة ، وجليل
الرزية التي لا تستعاض بغيرك والسلام عليك وداع غير قال ولا ناس لذكرك ، ثم
أنشأت تقول :
- العيش بعدك مر غير محبوب * ومذ صلبت ومقنا كل مصلوب -
- أرجو لك الله ذا الإحسان إن له * فضلا علينا وعفوا غير محسوب -
ثم سكتت ساعة وتأملته ، ثم أنشأت تقول :
- عليك من الأحبة كل يوم * سلام الله ، ما ذكر السلام -
- لئن أمسى صداك برأي عين * على خشب حباك بها الإمام -
- فمن ملك إلى ملك برغم * من الأملاك أسلمك الهمام -
أخبرنا أبو علي بن الحسين بن محمد الجازري أخبرنا المعافى بن زكريا حدثنا
محمد بن مزيد حدثنا الزبير بن بكار .
وأخبرنا محمد بن عبد الواحد بن علي البزاز - واللفظ له - قال أخبرنا أبو سعيد
الحسن بن عبد الله السيرافي حدثنا محمد بن أبي الأزهر النحوي حدثنا الزبير بن
بكار حدثني عمي مصعب بن عبد الله . قال : لما قتل جعفر بن يحيى ، وصلب بباب
الجسر رأسه ، وفى الجانب الآخر جسده ، وقفت امرأة على حمار فاره ، فنظرت إلى
رأسه ، فقالت بلسان فصيح : والله لئن صرت اليوم آية ، لقد كنت في المكارم غاية ، ثم
أنشأت تقول :
- ولما رأيت السيف خالط جعفرا * ونادى مناد للخليفة في يحيى -
- بكيت على الدنيا وأيقنت أنما * قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا -
- وما هي إلا دولة بعد دولة * تخول ذا نعمى وتعقب ذا بلوى -
- إذا أنزلت هذا منازل رفعة * من الملك حطت ذا إلى الغاية القصوى -
ثم إنها حركت الحمار الذي كان تحتها ، فكأنها كانت ريحا لم يعرف لها أثر .
حدثنا أبو طالب عمر بن إبراهيم بن سعيد الفقيه أخبرنا محمد بن العباس الخزاز
أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن خلف المرزبان قال أنشدونا للعباس بن الأحنف :
ولما رأيت السيف خالط جعفرا
تاريخ بغداد — صفحة 170
مساهمون: مصطفى عبد القادر عطا
ص١٧٠