تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التسهيل لعلوم التنزيل — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
وقد خرج حديث الإفك البخاري ومسلم وغيرهما ، واختصاره أن عائشة خرجت مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في غزوة بني المصطلق ، فضاع لها عقد فتأخرت على التماسه حتى رحل الناس ، فجاء رجل يقال له صفوان بن المعطل ، فرآها فنزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة ، وأخذ يقودها حتى بلغ الجيش ، فقال أهل الإفك في ذلك ما قالوا ، فبلغ ذلك النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، فقال : ما بال رجال رموا أهلي واللَّه ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وسأل جارية عائشة ، فقالت : واللَّه ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر . والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين ، ولم يذكر في الحديث من أهل الإفك إلا أربعة ، وهم : عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين ، وحمنة بنت جحش ، ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت ، وقيل : إن حسّان لم يكن منهم وارتفاع عصبة لأنه خبر إن ، واختار ابن عطية أن يكون عصبة بدلا من الضمير في جاؤوا ، ويكون الخبر لا تحسبوه شرا لكم على تقدير : إن حديث الذين جاؤوا بالإفك ، والأول أظهر * ( بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) * خطاب للمسلمين ، والخير في ذلك من خمسة أوجه : تبرئة أم المؤمنين ، وكرامة اللَّه لها بإنزال الوحي في شأنها ، والأجر الجزيل لها في الفرية عليها ، وموعظة المؤمنين ، والانتقام من المفترين * ( والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَه ) * هو عبد اللَّه بن أبي بن سلول المنافق ، وقيل الذي بدأ بهذه الفرية غير معين ، والعذاب العظيم هنا يحتمل أن يراد به الحدّ أو عذاب الآخرة . * ( لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوه ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ) * لولا هنا عرض ، والمعنى أنه : كان ينبغي للمؤمنين والمؤمنات أن يقيسوا ذلك الأمر على أنفسهم ، فإن كان ذلك يبعد في حقهم ، فهو في حق عائشة أبعد لفضلها ، وروي أن هذا النظر وقع لأبي أيوب الأنصاري ، فقال لزوجته : أكنت أنت تفعلين ذلك ، قالت : لا واللَّه ، قال فعائشة أفضل منك ؟ قالت نعم ، فإن قيل : لم قال : سمعتموه بلفظ الخطاب ، ثم عدل إلى لفظ الغيبة في قوله : * ( ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ ) * ، ولم يقل ظننتم ؟ فالجواب أن ذلك التفات ، قصد به المبالغة والتصريح بالإيمان ، الذي يوجب أن لا يصدق المؤمن على المؤمن شرا * ( لَوْ لا جاؤُ عَلَيْه بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ) * لولا هنا عرض ، والضمير في جاؤوا لأهل الإفك ، ثم حكم اللَّه بكذبهم إذ لم يأتوا بالشهداء * ( أَفَضْتُمْ فِيه ) * يقال أفاض في الحديث وخاض فيه إذا أكثر الكلام فيه * ( إِذْ تَلَقَّوْنَه بِأَلْسِنَتِكُمْ ) * العامل في إذ قوله مسكم أو أفضتم ، ومعنى تلقونه : يأخذه بعضكم من بعض ، وفي هذا الكلام وفي الذي قبله وبعده عتاب لهم على خوضهم في حديث الإفك ، وإن كانوا لم يصدقوه ، فإن الواجب كان الإغضاء عن ذكره والترك له بالكلية ،
التسهيل لعلوم التنزيل — صفحة 63 | الغرناطي الكلبي / عبد الله الخالدي