تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التسهيل لعلوم التنزيل — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
* ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) * فيه ستة أقوال : أحدها : وجدك ضالا عن معرفة الشريعة فهداك إليها ، فالضلال عبارة عن التوقيف [ السؤال ] في أمر الدين حتى جاءه الحق من عند اللَّه ، فهو كقوله : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ ولَا الإِيمانُ ) * [ الشورى : 52 ] وهذا هو الأظهر وهو الذي اختاره ابن عطية وغيره ومعناه أنه لم يكون يعرف تفصيل الشريعة وفروعها حتى بعثه اللَّه ، ولكنه ما كفر باللَّه ولا أشرك به لأنه كان معصوما من ذلك قبل النبوة وبعدها . والثاني وجدك في قوم ضلَّال ، فكأنك واحد منهم ، وإن لم تكن تعبد ما يعبدون ، وهذا قريب من الأول . والثالث وجدك ضالا عن الهجرة فهداك إليها ، وهذا ضعيف ، لأن السورة نزلت قبل الهجرة . الرابع وجدك خامل الذكر لا تعرف ، فهدى الناس إليك وهداهم بك ، وهذا بعيد عن المعنى المقصود . الخامس أنه من الضلال عن الطريق ، وذلك أنه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ضلّ في بعض شعب مكة ، وهو صغير فردّه اللَّه إلى جده ، وقيل : بل ضلّ من مرضعته حليمة فرده اللَّه إليها ، وقيل : بل ضل في طريق الشام حين خرج إليها مع أبي طالب . السادس أنه بمعنى الضلال من المحبة أي وجدك محبا للَّه فهداك إليه ومنه قول إخوة يوسف لأبيهم ، تَاللَّه إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ) * [ 95 ] أي محبتك ليوسف ، وبهذا كان يقول شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير * ( ووَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ) * العائل : الفقير يقال : عال الرجل فهو عائل إذا كان محتاجا ، وأعال فهو معيل إذا كثر عياله وهذا الفقر والغنى هو في المال ، وغناؤه صلى اللَّه عليه وآله وسلم هو أن أعطاه اللَّه الكفاف ، وقيل : هو رضاه بما أعطاه اللَّه ، وقيل : المعنى وجدك فقيرا إليه فأغناك به * ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ) * أي لا تغلبه على ماله وحقه لأجل ضعفه أو لا تقهره بالمنع من مصالحه ووجوه القهر كثيرة والنهي يعمّ جميعها * ( وأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) * النهر هو الانتهار والزجر ، والنهي عنه أمر بالقول الحسن والدعاء للسائل كما قال تعالى : فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً ) * ويحتمل السائل أن يريد به سائل الطعام والمال ، وهذا هو الأظهر والسائل عن العلم والدين . وفي قوله تقهر وتنهر لزوم مالا يلزم من التزام الهاء قبل الراء . * ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) * قيل : معناه بثّ القرآن وبلغ الرسالة والصحيح أنه عموم جميع النعم قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « التحدث بالنعم شكر » « 1 » ولذلك كان بعض السلف يقول ، لقد أعطاني اللَّه كذا ولقد صليت البارحة كذا وهذا إنما يجوز إذا كان على وجه الشكر أو ليقتدى به ، فأما على وجه الفخر والرياء فلا يجوز ، وانظر كيف ذكر اللَّه في هذه السورة ثلاث نعم ، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا فقابل قوله : * ( أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً ) * بقوله : * ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ) * ، وقابل قوله : * ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا ) * بقوله ، * ( أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) * ، على قول من قال إنه السائل عن العلم وقابله بقوله : * ( وأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) * على القول الآخر ، وقابل : قوله : * ( ووَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ) * بقوله : * ( وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) * على القول الأظهر ، وقابله : * ( وأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) * على القول الآخر .
هامش
( 1 ) . رواه أحمد عن النعمان بن بشير ج 4 ص 278 ، 375 .