الفيض إلى عالم القبض كالهيولى الهاوية و ما أدراك « 1 » ماهية ، هى أبعد العوالم العالية فيتم قوس النزول و انتهت سلسلة الفعليات و وصل الأمر إلى عالم القوة و الهيوليات الملازمة للصورة الجسمية العرشية الحاملة للطبيعة الكلية التى هى مبدأ الحركة الموجبة لحصول عالم النور محل الملائكة الساجدة ثم عالم النار محل الشياطين و الأجنة ثم عالم البسائط ثم عالم المركب الجمادى من الكرات و المعادن ، ثم عالم المركب النباتى ثم عالم المركب الحيوانى ثم عالم المركب الانسانىّ و بالجملة ما لم يستوف الطبيعة من المشية الكمال الذاتىّ لم تتحرك نحو الكمال العالى .
المطلب الثانى عشر : الإنسان بين التقييد و الإطلاق
قد ظهر لك ان الانسان فى نهاية العوالم بحسب التقييد فهو فى أسفل السافلين « 2 » بعد ما كان بحسب المشية فى أحسن تقويم و أعلى عليين ثم إذا أدركته العناية الإلهية و قدر على الخروج من هذه العوالم التقيدية إلى ان وصل إلى سماء الإطلاق و المشية ، فقد حصلت له الولاية فى مرتبة الصعود و تمت به دائرة الوجود . كما قالوا :
نحن مشية اللّه
فبمشيته حصل و إلى مشيته وصل . فصح ان يقال بكم فتح اللّه و بكم يختم .
فهم أولياء النعم و بهم يمسك السماء ان تقع على الأرض و بهم ينزل الغيث لانهم المشية التى خلق اللّه بها الأشياء و لا يحصل هذه المرتبة للانسان إلّا بالظلومية و الجهولية . أمّا الظلومية فهى الإدبار على النفس و الخروج عن أهوائها و العمدة أهوائها عن سرير السلطنة و ليس المقصود من الظلومية الشقاوة و الاتعاب كما قال تعالى :
طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
« 3 »
هامش
( 1 ) . فى الأصل : ما ادرايك
( 2 ) . فى الأصل : اسفل السافلين
( 3 ) . طه ( 20 ) : 1 - 2