يستلزم ( 1 ) ثبوت الثاني عند الأول لا محالة ، ومن البين عند أهل السابقة
الحسنى أن ذلك شرك مع كفر ، إذ الكل هالك عند وجهه الكريم ، فسبحانه
وتعالى عما يقول كل معتد أثيم .
وكفر بالشيطان : قد عرفت أن الشيطان هنا عبارة عما سوى الله ، فاعلم
قوله : وكفر بالشيطان . . .
اعلم هداك الله إلى الطريق المستقيم المستبين ، وجعلك من المؤمنين الموقنين ، أن
الكفر بكل شئ هو إخفاء ما يستحق ذلك الشئ ذاتا أو صفة أو فعلا ، فالاعتقاد بأن
العالم ظاهر في مقابل ظهور رب الأرباب كفر بالشيطان مع كونه شركا بالرحمن .
بيان ذلك : أن لمراتب الموجودات من مطالع عوالم الأنوار المشرقة إلى غواسق
صياصي الأقطار المظلمة - ظلا نورانيا ووجها حقانيا إلى عالم القدس والطهارة ،
وظلا ظلمانيا ووجها شيطانيا إلى معدن الخسة والكدورة :
أما الوجه النوراني فهو الذي أفيض من حضرة الجمع بالفيض المقدس الإطلاقي
والظل الممتد الرحماني ، قال تعالى : * ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) * ( 2 ) .
وقال : * ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) * ( 3 ) .
قال عز من قائل : * ( والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ) * ( 4 ) .
فالماء النازل من سماء الإلهية إلى أرض الخلقية لإحياء الأموات ، والظل الممدود
إلى هياكل الممكنات ، والهوية الآخذة بناصية الهالكات ، هو وجه الله الباقي المشار
إليه بقوله عز شأنه : * ( كل شئ هالك إلا وجهه ) * ( 5 ) و * ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو
هامش
1 - في نسخة " م " : لا يستلزم .
2 - هود : 56 .
3 - الفرقان : 45 .
4 - النحل : 65 .
5 - القصص : 88 .