الحكمة والعرفان وأرباب الطريقة والبرهان من أن القوى المتشتتة النباتية والحيوانية
والإنسانية - مع تشتتها وكثرتها وتفرقها بتفرق محالها - تجمعها حقيقة واحدة وكلمة
فاردة ( 1 ) هذه الكثرات سدنتها ، وهذه المتفرقات خدمها وحشمها ، كما صرح بذلك
في حديث كميل بن زياد الآتي حيث قال عليه السلام في كل من النفوس الأربعة أن
" له خمس قوى وخاصيتان " وإن كانت النفوس الأربعة لها أحكام مختلفة ،
ولسدنتها وحشمها وجودات متفاوتة في الشدة والضعف ، وفي بعضها كانت القوى
والسدنة متحدة الوجود مع النفس حد ا ومرتبة وليست متكثرة متشتتة ، وليس هذا
مقام تفصيلها وبسطها .
وأشار عليه السلام بقوله : " أصلها الطباع الأربع " ( 1 ) إلى ما حقق عند المحققين من
الحكماء العظام أن النفس جسمانية الحدوث وطلوعها يكون من المادة الجسمانية وإن
كانت بعضها روحانية البقاء ( 2 ) .
وأما قوله عليه السلام في النفس النباتية : " أصلها الطباع الأربع " وفي النفس
الحيوانية : " أصلها الأفلاك " وفي النفس الكلية : " أصلها العقل " وعدم التعرض لأصل
النفس النطقية فللإشارة إلى أن المادة التي تفيض عليها النفس النباتية مادة كدرة غير
صافية ، بخلاف النفس الحيوانية فإن مادتها من جنس الأفلاك لها صفاء وخلو عن
كدورات تلك المادة الموجودة عندنا ، وأن النفس الكلية الإلهية وإن كانت طليعة
وجودها من مادة صافية في كمال النقاوة إلا أن هذه النفس لكمال روحانيتها وعلو
شأنها قريبة الأفق بعالم المجردات وقطان عالم الجبروت ، فهي ملحقة بالآباء العلوية
والجهات الفاعلية ، لا الأمهات السفلية والحيثيات القابلية ، حتى ثبت عند أصحاب
هامش
1 - الأسفار 8 : 221 .
2 - الأسفار 8 : 347 ، الشواهد الربوبية : 221 .