أبو بكر : يا رسول الله ابعث حذيفة ، فقلت : دونك والله ، فمر علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما علي
جنة من العدو ولا من البرد إلا مرطا لامرأتي ما يجاوز ركبتي ، قال : فأتاني وأنا جاث على
ركبتي فقال : " من هذا ؟ " فقلت : حذيفة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حذيفة " . فقال حذيفة :
فتقاصرت للأرض ، فقلت : بلى يا رسول الله ، كراهية أن أقوم ، قال : " قم " ، فقمت ، فقال : " إنه
كائن في القوم خبر ، فأتني بخبر القوم " . فقلت : والذي بعثك بالحق ، ما قمت إلا حياء منك من
البرد . قال : " لا بأس عليك من حر ولا برد حتى ترجع إلي " . قال : " وأنا من أشد الناس فزعا
وأشدهم قرا " ، فقلت : والله ما بي أن أقتل ، ولكن أخشى أن أوسر ، فقال : " إنك لن تؤسر " ، قال :
فخرجت ، فقال : " اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه ، وعن شماله ، ومن فوقه ومن
تحته " . قال : فوالله ما خلق الله تعالى في جوفي فزعا ولا قرا إلا خرج ، فما أجد فيه شيئا ،
فمضيت كأنما أمشي في حمام ، فلما وليت ، دعاني فقال : " يا حذيفة ، لا تحدثن في القوم
شيئا حتى تأتيني " .
وفي رواية : فقلت : يا رسول الله مرني بما شئت ، فقال صلى الله عليه وسلم : " اذهب حتى تدخل بين
ظهري القوم ، فأت قريشا ، فقل : يا معشر قريش ، إنما يريد الناس إذا كان غدا أن يقولوا : أين
قريش ؟ أين قادة الناس ؟ أين رؤوس الناس ؟ فيقدموكم ، فتصلوا القتال فيكون القتل فيكم ، ثم
ائت بني كنانة فقل : يا معشر بني كنانة ، إنما يريد الناس إذ كان غدا أن يقولوا : أين بني كنانة ؟
أين رماة الحدق فيقدموكم ، فتصلوا القتال ، فيكون القتل فيكم ، ثم ائت قيسا فقل : يا معشر
قيس ، إنما يريد الناس إذا كان غدا أن يقولوا : أين قيس ؟ أين أحلاس الخيل ؟ أين الفرسان ؟
فيقدموكم ، فتصلوا القتال ، فيكون القتل فيكم " . فقال حذيفة : فخرجت حتى إذا دنوت من
عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد ، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح
خاصرته ، وحوله عصبة ، قد تفرق عنه الأحزاب ، وهو يقول : الرحيل الرحيل ولم أكن أعرف أبا
سفيان قبل ذلك فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش فوضعته في كبد القوس لأرميه في
ضوء النار ، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحدثن في القوم شيئا ، حتى تأتيني " ، فأمسكت
ورددت سهمي . فلما جلست فيهم أحس أبو سفيان أن قد دخل فيهم غيرهم ، فقال : يأخذ
كل رجل منكم بيد جليسه ، وفي لفظ : فلينظر من جليسه . فضربت بيدي على يد الذي عن
يميني فأخذت بيده ، فقلت : من أنت ؟ قال : معاوية بن أبي سفيان ، ثم ضربت بيدي على يد
الذي عن شمالي فقلت : من أنت ؟ قال : عمرو بن العاص ، فعلت ذلك خشية أن يفطن بي
فبدرتهم بالمسألة ، ثم تلبثت فيهم هنيهة . وأتيت بني كنانة وقيسا ، وقلت ما أمرني به
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم دخلت في العسكر ، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر ، ونادى عامر بن
علقمة بن علاثة : يا بني عامر ، إن الريح قاتلتي وأنا على ظهر ، وأخذتهم ريح شديدة ، وصاح
سبل الهدى والرشاد — صفحة 388
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص٣٨٨