أكلتها أنعم منها وإني لأرجو أن تأكل منها . وبينا هو يسير بنهر على حافيته الدر المجوف ،
وإذا طينة مسك أذفر فقال : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هو الكوثر .
ثم عرضت عليه النار فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته ، ولو طرح فيها الحجارة
والحديد لأكلتها ، فإذا بقوم يأكلون الجيف ، فقال : - من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين
يأكلون لحوم الناس . ورأى رجلا أحمر أزرق فقال : من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا عاقر الناقة .
ورأى مالك خازن النار ، فإذا رجل عابس يعرف الغضب في وجهه ، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام ،
ثم أغلقت دونه ، ثم رفع إلى سدرة المنتهى ، فغشيها من أنوار الخلائق ومن أنوار الملائكة
أمثال الغربان حين يقض على الشجرة وينزل على كل ورقة ملك من الملائكة فغشيها سحابة
من كل لون .
وفي حديث أن جبريل قال له : إن ربك يسبح . قال : وما يقول ؟ قال : يقول : ( سبوح
قدوس ، رب الملائكة والروح ، سبقت رحمتي غضبي ) . فتأخر جبريل ، ثم عرج به حتى ظهر
لمستوى سمع فيه صريف ( 1 ) الأقلام . ورأى رجلا مغببا في نور العرش ، فقال : من هذا ؟ ملك ،
قيل : لا ، قال : نبي ، قيل : لا ، قال : من هو ؟ قيل : هذا رجل كان في الدنيا لسانه رطب من ذكر
الله ، وقلبه معلق بالمساجد ، ولم ينتسب لوالديه قط ، فرأى ربه سبحانه وتعالى ، فخر النبي صلى الله عليه وسلم
ساجدا ، وكلمه ربه تعالى عند ذلك . فقال له : يا محمد . قال : لبيك يا رب . قال : سل : فقال :
إنك اتخذت إبراهيم خليلا ، وأعطيته ملكا عظيما وكلمت موسى تكليما ، وأعطيت داود ملكا
عظيما وسخرت له الجن والإنس والشياطين وسخرت له الرياح وأعطيته ملكا لا ينبغي لاحد
من بعده . وعلمت عيسى التوراة والإنجيل ، وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى
بإذنك ، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان عليهما سبيل .
فقال الله سبحانه وتعالى : قد اتخذتك حبيبا . قال الراوي : وهو مكتوب في التوراة :
حبيب الله . وأرسلتك للناس كافرة بشرا ونذيرا ، وشرحت لك صدرك ، ووضعت عنك وزرك ،
ورفعت لك ذكرك ، لا أذكر إلا وذكرت معي وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس وجعلت
أمتك أمة وسطا ، وجعلت أمتك هم الأولون والآخرون ، وجعلت أمتك لا يجوز لهم خطبة حتى
يشهدوا أنك عبدي ورسولي ، وجعلت من أمتك أقواما قلوبهم أناجيلهم ، وجعلتك أول النبيين
خلقا وآخرهم بعثا ، وأولهم يقضى له ، وأعطيتك سبعا من المثاني لم أعطها نبيا قبلك ،
وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي لم أعطها نبيا قبلك ، وأعطيتك الكوثر ،
هامش
( 1 ) أسمع صريف الأقلام أي صوت جريانها بما تكتبه من أقضية الله تعالى ووحيه ، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ . انظر
النهاية لابن الأثير 3 / 25 .