الباب العاشر
في ذكر بعض خصائصها
وهي تزيد على المائة فقد امتازت بتحريمها على لسان أشرف الأنبياء بدعوته صلى الله عليه وسلم .
وكون المتعرض لصيدها وشجرها يسلب كقتيل الكفار ، وهو أبلغ في الزجر مما في مكة ، وعلى
القول بعدمه هو أدل على عظيم حرمتها حيث لم يشرع له جزاء ، ويجوز نقل ترابها للتداوي ،
واشتمالها على أشرف البقاع وهو محل القبر الشريف ، ودفن أفضل الخلق بها وأفضل هذه
الأمة وكذا أكثر الصحابة والسلف الذين هم خير القرون ، وخلقهم من تربتها ، وبعث أشراف
هذه الأمة يوم القيامة منها على ما نقله ( عياض ) في المدارك عن الإمام مالك ، قال : " وهو لا
يقول من عند نفسه " .
وكونها محفوفة بالشهداء كما قاله الإمام مالك أيضا ، وبها أفضل الشهداء الذين بذلوا
أنفسهم في ذات الله بين يدي نبيهم صلى الله عليه وسلم فكان شهيدا عليهم ، واختيار الله تعالى إياها لأفضل
خلقه وأحبهم إليه ، واختيار أهلها للنضرة والإيواء ، وافتتاحها بالقرآن وسائر البلاد بالسيف
والسنان ، وافتتاح سائر بلاد الإسلام منها ، وجعلها مظهر الدين ، ووجوب الهجرة إلهيا قبل فتح
مكة والسكنى بها لنصرته صلى الله عليه وسلم ومواساته بالأنفس على ما قاله القاضي عياض أنه متفق عليه ، قال :
" ومن هاجر قبل الفتح فالجمهور على منعه من الإقامة ( بمكة ) بعد الفتح ، ورخص له ثلاثة أيام
بعد قضاء نسكه ، والحث على سكنى المدينة وعلى اتخاذ الأصل بها وعلى الموت بها ، والوعد
على ذلك بالشفاعة أو الشهادة أو هما ، واستحباب الدعاء بالموت بها ، وتحريضه صلى الله عليه وسلم على
الموت بها وشفاعته أو شهادته لمن صبر على لأوائها وشدتها ، وطلبه لزيادة البركة بها على مكة
ودعاؤه بحبها وأن يجعل الله لديها قرارا ورزقا حسنا ، وطرح الرداء عن منكبيه إذا قاربها ، وتسميته
لها طيبة " وغيرها مما سبق . " وطيب ريحها ، وللعطر بها رائحة لا توجد في غيرها " قاله ياقوت .
وطيب العيش بها وكثرة أسمائها ، وكتابتا في التوراة مؤمنة وتسميتها فيها بالمحبوبة
والمرحومة وإضافتها إلى الله تعالى في قوله تعالى ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا
فيها ) ( النساء 97 ) ، وإلى النبي بلفظ البيت في قوله تعالى : ( كما أخرجك ربك من بيتك
بالحق ) ( الأنفال 5 ) وإقسام الله تعالى في قوله تعالى : ( لا أقسم بهذا البلد ) ( البلد 1 )
والبداءة بها في قوله تعالى : ( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق )
( الإسراء 80 ) ، مع أن المخرج مقدم على المدخل ، ودعاؤه صلى الله عليه وسلم لها خصوصا بالبركة ،
ولثمارها وميكالها وأسواقها وأهلها .
ولقوله إنها تنفي الذنوب وتنفي خبثها ، وأنه لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها
خيرا منه ومن أرادها وأهلها بسوء أذابه الله ، الحديث ، فرتب الوعيد فيها على الإرادة ، كما قال
سبل الهدى والرشاد — صفحة 320
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص٣٢٠