لا يظلمون ولا يظلمون ) وكان في البيت لغط فنكل عمر فرفضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وروى الطبراني من طريق ليث بن أبي سليم - وبقية رجاله ثقات - عن ابن عباس
- رضي الله تعالى عنهما - قال دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتف فقال : ائتوني بكتف أكتب لكم
كتابا لا تختلفون بعدي فأخذ من عنده من الناس وفي لفظ : ( فقالت امرأة ممن حضر ويحكم
عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليكم فقال بعض القوم اسكتي فإنه لا عقل لك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنتم لا أحلام لكم .
وروى الإمام أحمد وابن سعد - وفي سنده ضعف - عن علي - رضي الله تعالى عنه -
قال أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن آتيه بطبق أكتب فيه ما لا تضل أمتي من بعدي قال :
فخشيت أن تسبقني نفسه قال : قلت إني أحفظ وأوعى قال : أوصي بالصلاة والزكاة وما
ملكت أيمانكم ) .
تنبيهات
الأول : قال البيهقي والذهبي : وإنما أراد عمر التخفيف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين
رآه شديد الوجع لعلمه أن تبارك وتعالى قد أكمل ديننا ، ولو كان ذلك الكتاب وحيا لكتبه
النبي - صلى الله عليه وسلم - ولما أخل به لاختلافهم ولغطهم لقول الله تعالى : ( بلغ ما أنزل إليك من
ربك ) [ المائدة : 67 ] كما لم يترك تبليغ غيره لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه ، وإنما أراد
ما حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله ، أن يكتب استخلاف أبي بكر ، ثم ترك كتابته
اعتمادا على ما علم من تقدير الله تعالى ، كما هم به في ابتداء مرضه حين قال : ( وا رأساه ) . ثم
بدا له أن لا يكتب ثم قال : ( يأبي الله والمؤمنون إلا أبا بكر ) ثم نبه أمته على خلافته باستخلافه
إياه في الصلاة حين عجز عن حضورها ( 1 ) ، وبسط البيهقي الكلام في ذلك .
هامش
( 1 ) وتكملة كلام البيهقي : ( وإن كان المراد به رفع الخلاف في الدين ، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه علم أن الله
تعالى قد أكمل دينه بقوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم . . ) وعلم أنه لا تحدث واقعة إلى يوم القيامة ، إلا في كتاب
الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم - بيانها نصا أو دلالة .
وفي نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جميع ذلك في مرض موته ، مع شدة وعكه ، مما يشق عليه ، فرأى عمر بن الخطاب
رضي الله تعالى عنه الاقتصار على ما سبق بيانه نصا ، أو دلالة ، تخفيفا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكي لا تزول فضيلة أهل
العلم بالاجتهاد في الاستنباط ، وإلحاق الفروع بالأصول ، بما دل الكتاب والسنة عليه . وفيما سبق من قوله - صلى الله عليه وسلم - إذا
اجتهد الحاكم فأصاب ، فله أجران . وإذا اجتهد فأخطأ ، فله أجر واحد دليل على أنه وكل بيان بعض الأحكام إلى
اجتهاد العلماء ، وأنه أحرز من أصاب منهم الأجرين الموعودين ، أحدهما بالاجتهاد ، والآخر بإصابة العين المطلوبة بما
عليها من الدلالة في الكتاب أو السنة ، وإنه أحرز من اجتهد ، فأخطأ أجرا واحدا باجتهاده ، ورفع اثم الخطأ عنه ، وذلك
في أحكام الشريعة التي لم يأت بيانها نصا ، وإنما ورد خفيا .
فأما مسائل الأصول ، فقد ورد بيانها جليا ، فلا عذر لمن خالف بيانه لما فيه من فضيلة العلماء بالاجتهاد ، وإلحاق
الفروع بالأصول ، بالدلالة ، مع طلب التخفيف على صاحب الشريعة ، وفي ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإنكار عليه فيما قال
واضح على استصوابه رأيه ، وبالله التوفيق ) .