قال ابن دينار : لما قال ذلك يوسف قيل له : اتخذت من دوني وكيلا ، لأطيلن حبسك .
فقال : يا رب ، أنسى قلبي كثرة البلوى .
وقال بعضهم : يؤاخذ الأنبياء بمثاقيل الذر ، لمكانتهم عنده ، ويجاوز عن سائر الخلق
لقلة مبالاته بهم في أضعاف ما أتوا به من سوء الأدب .
وقد قال المحتج للفرقة الأولى على سياق ما قلناه : إذا كان الأنبياء يؤاخذون بهذا مما لا
يؤاخذ به غيرهم من السهو والنسيان ، وما ذكرته ، وحالهم أرفع فحالهم إذا في هذا أسوأ حالا
من غيرهم .
فاعلم - أكرمك الله - أنا لا نثبت لك المؤاخذة في هذا على حد مؤاخذة غيرهم ، بل
نقول : إنهم يؤاخذون بذلك في الدنيا ، ليكون ذلك زيادة في درجاتهم ، ويبتلون بذلك ، ليكون
استشعارهم له سببا لمنماة رتبهم ، كما قال : ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) . وقال
لداود . ( فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) [ ص 40 ] .
وقال - بعد قول موسى : ( تبت إليك ) [ الأعراف 143 ] : ( إني اصطفيتك على
الناس ) [ الأعراف 144 ] . وقال - بعد ذكر فتنة سليمان وإنابته : ( فسخرنا له الريح تجري
بأمره رخاء حيث أصاب . والشياطين كل بناء وغواص . وآخرين مقرنين في الأصفاد . هذا
عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب . وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) [ ص 36 - 40 ] .
وقال بعض المتكلمين : زلات الأنبياء في الظاهر زلات ، وفي الحقيقة كرامات وزلف ،
وأشار إلى نحو مما قدمناه .
وأيضا فلينبه غيرهم من البشر منهم أو ممن ليس في درجتهم بمؤاخذتهم بذلك ،
فيستشعروا الحذر ويعتقدوا المحاسبة ليلتزموا الشكر على النعم ، ويعدوا الصبر على المحن
بملاحظة ما وقع بأهل هذا النصاب الرفيع المعصوم ، فكيف بمن سواهم ، ولهذا قال صالح
المري : ذكر داود بسطة للتوابين .
قال ابن عطاء : لم يكن ما نص الله تعالى عليه من قضية صاحب الحوت نقصا له ،
ولكن استزادة من نبينا صلى الله عليه وسلم .
وأيضا فيقال لهم : فإنكم ومن وفقكم تقولون بغفران الصغائر باجتناب الكبائر .
ولا خلاف في عصمة الأنبياء من الكبائر ، فما جوزتم من وقوع الصغائر عليهم هي
مغفورة على هذا ، فما معنى المؤاخذة بها إذا عندكم وخوف الأنبياء وتوبتهم منها ، وهي
مغفورة لو كانت ؟
سبل الهدى والرشاد — صفحة 482
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص٤٨٢