أحدثه ملك عادل عالم وقصد به التقرب إلى الله تعالى ، وحضر عنده فيه العلماء والصلحاء من
غير نكير منهم . وارتضاه ابن دحية - رحمه الله تعالى - وصنف له من أجله كتابا ، فهؤلاء علماء
متدينون رضوه وأقروه ولم ينكروه .
وقوله : " ولا مندوبا لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع " يقال عليه : إن الطلب في
المندوب تارة يكون بالنص وتارة يكون بالقياس ، وهذا وإن لم يرد فيه نص ففيه القياس على
الأصلين الآتي ذكرهما .
وقوله : " ولا جائز أن يكون مباحا لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين "
كلام غير مستقيم لأن البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه ، بل قد تكون أيضا مباحة
ومندوبة وواجبة . قال النووي - رحمه الله تعالى - في " تهذيب الأسماء واللغات : البدعة في
الشرع : هي ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة " . وقال
الشيخ عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله تعالى - في القواعد : البدعة منقسمة إلى واجبة
وإلى محرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة . قال : والطريق في ذلك أن نعرض البدعة على قواعد
الشرع ، فإذا دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة ، أو في قواعد التحريم فهي محرمة ، أو
الندب فمندوبة ، أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة . وذكر لكل قسم من هذه الخمسة
أمثلة منها : إحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول . ومنها التراويح
والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل ومنها جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد
بذلك وجه الله تعالى .
وروى البيهقي بإسناده في " مناقب الشافعي " عن الشافعي - رحمه الله تعالى - ورضي
عنه قال : المحدثات من الأمور ضربان : أحدهما مما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو
إجماعا فهذه البدعة الضلالة والثاني : ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا . وهذه
محدثة غير مذمومة . وقد قال عمر - رضي الله تعالى عنه - في قيام شهر رمضان : نعمت البدعة
هذه . يعني أنها محدثة لم تكن وإذا كانت ليس فيها رد لما مضى . هذا آخر كلام الشافعي .
فعرف بذلك منع قول الشيخ تاج الدين : " ولا جائز أن يكون مباحا " إلى قوله : " وهذا الذي
وصفناه بأنه بدعة مكروهة " الخ لأن هذا القسم مما أحدث وليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة
ولا أثر ولا إجماع ، فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي وهو من الإحسان الذي ، لم يعهد
في العصر الأول ، فإن إطعام الطعام الخالي من اقتراف الآثام إحسان ، فهو من البدع المندوبة
كما في عبارة ابن عبد السلام .
وقوله : والثاني الخ هو كلام صحيح في نفسه غير أن التحريم فيه إنما جاء من قبل هذه
سبل الهدى والرشاد — صفحة 370
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص٣٧٠