وفي سجوده صلى الله عليه وسلم عند وضعه إشارة إلى أن مبدأ أمره على القرب ، قال الله تعالى :
( واسجد واقترب ) وقال صلى الله عليه وسلم : " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " فحال عيسى
عليه الصلاة والسلام يشير إلى مقام العبودية ، وحال محمد صلى الله عليه وسلم يشير إلى مقام القرب من
الحضرة الإلهية . ولبعضهم :
لك القرب من مولاك يا أشرف الورى * وأنت لكل المرسلين ختام
وأنت لنا يوم القيامة شافع * وأنت لكل الأنبياء إمام
عليك من الله الكريم تحية * مباركة مقبولة وسلام
وروى أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه عن أمه الشفاء بنت
عمرو بن عوف رضي الله تعالى عنها قالت : لما ولد ت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على يدي
فاستهل ، فسمعت قائلا يقول : رحمك الله أو رحمك ربك فأضاء ما بين المشرق والمغرب
حتى إني نظرت إلى بعض قصور الروم . قالت : ثم ألبسته وأضجعته فلم أنشب أن غشيتني
ظلمة ورعب وقشعريرة عن يميني فسمعت قائلا يقول : أين ذهبت به . قال : إلى المغرب وأسفر
عني ذلك . ثم عاودني ذلك الرعب والقشعريرة عن يساري فسمعت قائلا يقول : أين ذهبت
به ؟ قال : إلى المشرق . قالت : فلم يزل الحديث مني على بال حتى بعثه الله تعالى .
تنبيهات
الأول : قال الشيخ رحمه الله تعالى في فتاويه : لم أقف في شئ من الأحاديث مصرحا
على أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد عطس ، بعد مراجعة أحاديث المولد من مظانها كالطبقات لابن سعد ،
والدلائل للبيهقي ، ولأبي نعيم ، وتاريخ ابن عساكر على بسطه واستيعابه ، وكالمستدرك
للحاكم . وإنما الحديث الذي روته الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف يعني السابق آخر الباب
فيه لفظ يشبه التشميت . لكن لم يصرح فيه بالعطاس ، والمعروف في اللغة أن الاستهلال
صياح المولود أول ما يولد فإن أريد به هنا العطاس فيحتمل . وحمل القائل على الملك ظاهر .
وقال العلامة شمس الدين الجوجري رحمه الله تعالى في شرح الهمزية : الاستهلال وإن
كان هو صياح المولود أول ما يولد إلا أن حمله على العطاس هنا قريب ، كحمل القائل على
الملك .
الثاني : جرت عادة كثير من المحبين إذا سمعوا بذكر وضعه صلى الله عليه وسلم أن يقوموا تعظيما
له صلى الله عليه وسلم ، وهذا القيام بدعة لا أصل لها ، وقال ذو المحبة الصادقة حسان زمانه أبو زكريا
يحيى بن يوسف الصرصري رحمه الله تعالى ورضي عنه في قصيدة له من ديوانه :
قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب * على فضة من خط أحسن من كتب
سبل الهدى والرشاد — صفحة 344
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص٣٤٤