الباب الثالث عشر
في قصة إهلاك أصحاب الفيل
وذلك عام ولادته صلى الله عليه وسلم على الصحيح الذي عليه أكثر العلماء .
وكان إهلاكهم تشريفا له صلى الله عليه وسلم ولبلده ، وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب ،
وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه أهل مكة ، لأن أهل مكة كانوا عباد أوثان ، فنصرهم
الله تعالى نصر الا صنع للبشر فيه ، ولسان حال القدر يقول : لم ننصركم يا معشر قريش على
الحبشة لخيريتكم عليهم ، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي نشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي
الأمي خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم .
قال الله سبحانه وتعالى . بسم الله الرحمن الرحيم ( ألم تر ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم . أي :
ألم تعلم . قدره على وجود علمه بما يذكر . وقيل : الاستفهام هنا للتعجب إذ هو أمر منقول نقل
المتواتر . فكأنه قيل : قد علمت أو تعجب ( كيف فعل ربك ) عبر بكيف دون ما . لأن المراد
تذكير ما فيها من وجوه الدلالة على كمال علم الله تعالى وقدرته وعزة بيته وشرف
رسوله صلى الله عليه وسلم فإنها من الإرهاصات لنبوته ، إذ مجئ تلك الطيور على الوصف المنقول من
خوارق العادات والمعجزات المتقدمة بين أيدي الأنبياء صلى الله عليه وسلم ( بأصحاب الفيل ) محمود .
( ألم يجعل ) أي يجعل كيدهم في هدم الكعبة ( في تضليل ) خسار وهلاك بأن أحرق
البيت الذي بنوه قاصدين أن يرجع حج العرب إليه ، وبأن أهلكهم لما قصدوا هدم الكعبة بيت
الله تعالى ( وأرسل عليهم طيرا ) اسم جمع يجوز تأنيثه وتذكيره ( أبابيل ) جماعات قيل لا
واحد له وقيل واحدة : أبول . أو إبال . أو إبيل كعجول . ومفتاح ، ومسكين . وعلى تذكير الطير
قرى : ( ترميهم ) بالمثناة التحتية . وقيل الضمير للرب سبحانه ( بحجارة ) فوق العدسة
ودون الحمصة ، كما في أكثر الأخبار ، مكتوب على كل حجر اسم مرمية ، يحمل كل طائر
ثلاثة أحجار : واحدا بمنقاره وحجرين برجليه ( من سجيل ) طين مطبوخ ( فجعلهم كعصف
مأكول ) كورق زرع أكلته الدواب وراثته فيبس وتفرقت أجزاؤه شبه تفرق أجزائهم بتفرق
أجزاء الروث .
الإشارة إلى القصة على وجه الاختصار
كان ذو نواس ( 1 ) آخر ملوك اليمن مشركا ، وهو الذي قتل أصحاب الأخدود ، وكانوا
هامش
( 1 ) ذو نواس الحميري : آخر ملوك حمير في اليمن . وهو صاحب الأخدود المذكور في القرآن الكريم . كان يدين باليهودية ،
وبلغه أن أهل نجران مقبلون على النصرانية ، فسار إليهم وحفر أخاديد وملأها جمرا وجمع أعيان المنتصرين منهم ،
فعرضهم على النار ، فمن رجع إلى اليهودية نجا ، ومن أبى هوى . واتفق الرومان والحبشة على قتاله ، فزحف النجاشي
وكان على النصرانية ، بجيش كبير ، فقاتله ذو نواس على ساحل البحر الأحمر عند عدن ، فكان الظفر للنجاشي ،
وخاف ذو نواس الأسر فأطلق جواده نحو البحر ، فألقى نفسه راكبا فمات غريقا . قال النويري : وهو آخر من ملك اليمن
من قحطان ، فجميع ما ملكوا من السنين ثلاثة آلاف سنة واثنتان وثمانون سنة . توفي 102 ق . ه . الأعلام 3 / 928 .