فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرى وقال له يا : غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا
أخبرتني عما أسألك عنه . وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما ، فزعموا أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : لا تسألني باللات والعزى شيئا . فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما .
فقال له بحيرى : فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ؟ فقال له سلني عما بدا لك . فجعل يسأله
عن أشياء من حاله ونومه وهيئته وأموره . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فوافق ذلك ما عند
بحيرى من صفته . ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه موضعه من صفته التي عنده ،
فلما فرغ أقبل على عمه أبو طالب فقال ما هذا الغلام منك ؟ قال ابني قال بحيرى ما هو بابنك
وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا ، قال فإنه ابن أخي . قال فما فعل أبوه ؟ قال مات وأمه
حبلى به قال صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود . فوالله لئن رأوه وعرفوا منه
ما عرفت ليبغنه شرا ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده ، فخرج به عمه
أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام .
في هذا الوقت اشتد حرص أبي طالب على محمد صلى الله عليه وسلم .
زواجه من خديجة
كان عند زواجه منها في الخامسة وعشرين من عمره ، لما اشتهر عندها من أمره وصدقه
وأمانته ، حيث كانت تستأجر الرجال في مالها ، وتضاربهم إياه بشئ يجعله لهم ، وكانت قريش
قوما تجارا ، فلما بلغها عن رسول الله ما بلغها من صدق حديثه ، وعظم أمانته ، وكرم أخلاقه
بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي
غيره من التجار ، فقبل رسول الله وخرج في مالها ، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام ، ثم
باع سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلا إلى مكة ، ومعه ميسرة ، فلما
قدم على خديجة بمالها باعت ما جاء به ، فأضعف ، وبلغها من ميسرة من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم بما
ترتب عليه أن بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا ابن عمي إني قد رغبت فيك لقرابتك
وشرفك في قومك وأمانتك وصدق حديثك ، ثم عرضت عليه الزواج منها ، وكانت حينئذ
أوسط نساء قريش نسبا ، وأعظمهن شرفا ، وأكثرهن مالا ، كل قومها كان حريصا على الزواج
منها لو يقدر عليه ، فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره لأعمامه وخطبها وتزوجها وكان
صداقها عشرين بكرة ، وكانت أول امرأة تزوجها ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت رضي الله
عنها .
وقد ولدت لرسول الله أولاده كلهم - إلا إبراهيم والقاسم - وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم والطاهر
والطيب ورقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة ، أما القاسم والطيب والطاهر فهلكوا في الجاهلية ،
سبل الهدى والرشاد — صفحة مقدمة المحقق 9
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
صمقدمة المحقق ٩