الشيخ محمد بن أحمد الحثادي المصري أديب رقيق حواشي صقيل الأديم . وهو ريحانة الجليس ولا فخر ومنه مزاج كأس النديم . طلع بدر أدبه في سماء البلاغة وتجلى . وسبق جواد قلمه في ميدان البراعة وجلى . فملك زمام البيان نثراً ونظماً . وأروى بما روى من بديعه وما أظما . مع اتقان لسائر الفنون . وغوص على در الفضل المكنون . خصوصاً على الطب والحكمة . فقد أنفد في معرفتهما أمره وحكمه .
إلا أنه غدا في نهج البطالة وراح . وتوج راحاته بكؤس الراح . فواصل الغبوق والصبوح .
وجري في حلبة اللهو بطرف سابق سبوح . وأنصت المثالث والمثاني . ولم يثنه عن اتباع هواه ثاني . فانحط من أوج الشرف قدره . وخوى من أفق النباهة بدره . وأصبح غرضاً لسهام الملام . مكلوماً بأسنة الكلام شعر
جراحات السنان لها التئام * ولا يلتام ما جرح اللسان
وذكره السيد محمد كبريت في رحلته فقال تشرفت بالاجتماع به وتحليت بمحاسن أدبه .
فوجدت منه نديماً للسرور مديماً . ونفس حركسي في باب الهيام أديماً . فأزلت بطلعته السنية عن مرآة القلب صدى القسوة والغم . ونلت من حديثه . ما يسلو به الخاطر وينجلي الهم
وكنت إذا حدثته أو رأيته * تزول حرارات الصبابة والجوى
ولا سيما أن ظل يتلو لمسمعي * أحاديث أرباب الصبابة والهوى
ورأيت له حاشية على البيضاوي أتى فيها بالأبحاث الرائقة . والتحقيقات الفائقة . وله رحلة جامعة لفوائد الفوائد . سماها الاسفار عن الاسفار . وديوان شعر جيد النظم والمعنى وتعليقات على فنون الحكمة وسمعت بعض أهل الشام يقدح في شأنه . أو شرف مكانه . وما أظن الحال معهم إلا كما قيل
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه * فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها * حسداً وبغياً إنه لذميم
انتهى . ومن نثره العالي الطبقة . ونظمه الذي أرج به الكون وعبقه . قوله في مرجة دمشق .
بصبا المرجة المبلل ذيله . علل القلب على يبرد ويله
ومر الروح أن تسيل دموعاً * أن أبى الجفن أن يعينك سيله
واذكرن بالرياض يومي حبيب * سلفاً والسلاف ترتع خيله
سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر — صفحة 409
مساهمون: ابن معصوم المدني
ص٤٠٩