نثره ما يدار به عليك من الأنس جام . فمنه ما كتبه إلى علامة عصره الشيخ أحمد المقري المغربي من جملة كتاب مراجعاً
يا سيداً أحرز خصل العلى * بالبأس والرأي السديد الشديد
ومن على أهل النهي قد على * بطبعه السامي المجيد المجيد
ومن يزين الدهر منه حلى * قول نظم كالفريد النضيد
ومن صدي منه فكرى جلي * نظم له القلب عميد حميد
ومن له من يوم قالوا بلى * حب جديد ما له من مزيد
ومن غدا بين جميع الملا * بالعلم والحلم الوحيد الفريد
أفديك بالنفس وبالأهل لا * بالمال والمال عتيد عديد
أقسم بالله الذي علت كلمته . وعمت رحمته . وسخرت القلوب والعقول رأفته ومحبته . وجعل الأرواح جنوداً مجندة فما تعارف منها ائتلف . وما تناكر منها اختلف . إنني أشوق إلى تقبيل أقدام شيخي من الظمآن إلى الماء . ومن الساري لطلعة ذكاء . وليس تقبيل الأقدام . مما ينفع من الشوق الأوام . وقد كانت الحال هذه وليس بيني وبينه حاجزاً إلا الجدار . إذ كان حفظه الله جار الدار . فكيف الآن بالغرام . وهو حفظه الله بمصر وأنا بالشام . وليس غيبة مولاي الأستاذ عنا .
إلا غيبة العافية عن الجسم المضنى . بل غيبة الروح . عن الجسد البالي المطروح . ولا العيشة بعد فراقه . وهجر أحبابه ورفاقه . إلا كما قال بديع الزمان عيشة الحوت في البر . والثلج في الحر . وليس الشوق إليه بشوق وإنما هو العظم الكسير . والنزع العسير . والسم يسري ويسير .
وليس الصبر عنه بصير . وإنما هو المصاب . والكبد في القصاب . والنفس رهينة الأوصاب .
والحين الحائن وأين يصاب . ولا أعرف كيف أصف شرف الوقت الذي ورد فيه كتاب شيخي
بخطه . مزيناً بضبطه . بلى قد كان شرف عطارد . حتى اجتمع من أنواع البلاغة عندي كل شارد . وأما خطه فكما قال الصاحب بن عباد هذا خط قابوس . أم جناح طاووس . أو كما قال أبو الطيب . من خطه في كل قلب شهوة . حتى كان مداده الأهواء . وأنا أقول ما هو أبدع وأبرع . وفي هذا الباب أنفع وأجمع . بل هو خط الأمان من الزمان . والبراءة من طوارق الحدثان . والحرز الحريز . والكلام الحر الأريز . والجوهر النفيس العزيز . وأما الكتاب نفسه فقد حسدني عليه اخواني
سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر — صفحة 368
مساهمون: ابن معصوم المدني
ص٣٦٨