ولا عيب فيه غير أنّ علاءه ( 1 )
إذا حدّدوه كان قد جاوز الحدّا
ولا عيب أيضا في مآثر بيته
سوى أنّها تروى بألسنة الأعدا !
وحتّى يؤمّن عليه القائل :
ما كان أحوج ذا الكمال إلى
عيب يوقّيه من العين !
ويقبل من الآخر قوله :
شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ
من شرّ أعينهم بعيب واحد !
العبد يخدم بسلام ما روضة نقّطها الجوّ بدرّ سحائبه ، وأفرغ عليها الأفق سفط كواكبه ، وامتدّ نوء الذّراع لتدبيج سمائها ، وتأريج أرجائها ، وتخميش معاصم أنهارها المنشقّة بأفنائها ، وصقال نسماتها السّحرية ، ومغازلة عيونها السّحريّة ، وهوان الغالية ( 2 ) بنفحاتها الشّجريّة ، تصرف دنانير أزهارها الصّروف ، ويسلّ جدولها على الهموم السّيوف ، وتجذب حمائمها القلوب بالأطواق ، ويتشفّع دوحها إلى النواظر بالأوراق ؛ قد ترقرق في وجناتها ماء الشّباب ، وغنّى مطرب حمامها وعنتره ( 3 ) في حك من الذّباب ، وبحرها رونق السّيف وفي قلب روضته الذّباب .
فما كلّ أرض مثل أرض هي الحمى
وما كلّ نبت مثل نبت هو البان !
يوما بأبهج منه أشواقا ، وأطيب منه انتشاقا واتّساقا ؛ والطَّيّبون للطيبات ، ولكلّ غيث نبات ، وما لذلك الغيث إلا هذا النّبات .
ونعود فنقول : لا أدري أأتعجّب :
هامش
( 1 ) معارضة لقول النابغة :ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهنّ فلول من قراع الكتائب( 2 ) الغالية نوع من الطيب . وقيل إن أول من سماها كذلك معاوية بن أبي سفيان . وأنكر الجاحظ ذلك كله وقال : إنا نجد في أشعار الجاهلية ذكر الغالية . ( مآثر الإنافة : 3 / 342 ) .
( 3 ) العنتر : الذباب الأزرق . وعنتر الذباب : صات وطنّ . وذباب السيف : حدّه ، أو طرفه .