( وأصبح الأعداء لا ترى إلا أشلاؤهم ، ولا تبصر إلا أعياؤهم ؛ كأنّما جزر أجسادهم جزائر يتخلَّلها من الدّماء السّيل ، وكأنّما رؤوسهم المجموعة لدى الدّهليز المنصور أكر تلعب بها صوالجة من الأيدي والأرجل من الخيل ) ( 1 ) :
ألقت إلينا دماء المغل طاعتها
فلو دعونا بلا حرب أجاب دم ( 2 ) !
فكم شاهد مولانا السلطان منهم مهيب الهامة ، حسن الوسامة ، تتفرّس في جهامة وجهه الفخامة ، قد فضّ الرّمح فاه فقرع السّنّ على الحقيقة ندامة :
ووجوها أخافها منك وجه
تركت حسنها له والجمالا !
أو كما قيل :
لا رحم ( 3 ) اللَّه أرؤسا لهم
أطرن عن هامهنّ أقحافا !
وأقبل بعض الأحياء من الأسارى على الأموات يتعارفون ، ولأخبار شجاعتهم يتواصفون ؛ فكم من قائل : هذا فلان وهذا فلان ، وهذا كان وهذا كان ؛ وهذا كان يحدّث نفسه بأنه يهزم الألوف ، وهذا يقرّر في ذهنه أنه لا تقف بين يديه الصّفوف ؛ وكثرت الأسارى من المغل فاختار السلطان من كبرائهم البعض ، وعمل فيهم بقول اللَّه عزّ وجلّ : * ( ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَه أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ) * ( 4 ) . فجعلهم للسّيوف طعمة ، وأحضرت الأسارى من الرّوم فترقّب مولانا السّلطان فيهم الإلّ والذّمّة :
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم
ومن لك بالحرّ الذي يحفظ اليدا !
هامش
( 1 ) ما بين قوسين ساقط من « التذكرة الصفدية » وفي الروض الزاهر باختلاف غير يسير .
( 2 ) في الروض الزاهر :ألقت إلينا دماء الروم طاعتها
فلو دعونا بلا ضرب أجاب دم( 3 ) في ديوان المتنبي : « لا يرحم اللَّه » .
( 4 ) الأنفال / 67 .