تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
إذا ما المسك طيّب ريح قوم كفتني ذاك رائحة المداد وما شيء بأحسن من ثياب على حافاتها حمم السّواد
وقال بعض الأدباء : عطَّروا دفاتر الآداب بسواد الحبر . وكان في حجر إبراهيم بن العباس قرطاس يمشق فيه كلاما فأسقط فمسحه بكمه ، فقيل له : لو مسحته بغيره ؟ فقال : المال فرع والقلم أصل ، والأصل أحق بالصون من الفرع . وأنشد في ذلك :
إنّما الزّعفران عطر العذارى ومداد الدّويّ عطر الرّجال
وأنشد غيره :
من كان يعجبه أن مسّ عارضه مسك يطيّب منه الريح والنّسما فإن مسكي مداد فوق أنملتي إذا الأصابع يوما مسّت القلما
على أن بعضهم قد أنكر ذلك ، وقال : المداد في ثوب الكاتب سخافة ، ودناءة منه وقلة نظافة ، قال أبو العالية : تعلمت القرآن والكتابة ، وما شعر بي أهلي ، وما رؤي في ثوبي مداد قط . وأنشدوا :
دخيل في الكتابة يدّعيها كدعوى آل حرب في زياد يشبّه ثوبه للمحو فيه إذا أبصرته ثوب الحداد فدع عنك الكتابة لست منها ولو لطَّخت وجهك بالمداد
وقال فارس بن حاتم : ببريق الحبر تهتدي العقول لخبايا الحكم ، لأنه أبقى على الدهر ، وأنمى للذّكر وأزيد للأجر . واعلم أن المداد ركن من أركان الكتابة ، وعليه مدار الربع منها وأنشدوا في ذلك :
ربع الكتابة في سواد مدادها والرّبع حسن صناعة الكتّاب والرّبع من قلم تسوّي بريه وعلى الكواغد رابع الأسباب
قال بعض العلماء رحمهم اللَّه : وإنما اختير فيه السواد دون غيره لمضادّته
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 502 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين