الكتابة ، وأبعد من الخفاء ، وأن تقصد بانتقائك الرقاق القضبان ، المقوّمات المتون ، الملس المعاقد ، الصافية القشور ، الطويلة الأنابيب ، البعيدة ما بين الكعوب ، الكريمة الجواهر ، المعتدلة القوام ، المستحكمة يبسا ، وهي قائمة على أصولها لم تعجل عن إبّان ينعها ، ولم تؤخّر إلى الأوقات المخوفة عليها من خصر ( 1 ) الشتاء ، وعفن الأنداء ( 2 ) ، فإذا استجمعت عندك ، أمرت بقطعها ذراعا [ ذراعا ] ( 3 ) قطعا رفيقا ، ثم عبّأت منها حزما فيما يصونها من الأوعية ( 4 ) ، وتكتب معه بعدّتها وأصنافها من غير تأخير ولا توان .
وأهدى ابن الحرون إلى رجل من إخوانه الكتّاب أقلاما ، وكتب إليه :
إنه لما كانت الكتابة ( أبقاك اللَّه ) أعظم الأمور ، وقوام الخلافة ، وعمود المملكة ، أتحفتك من آلتها بما يخف محمله ، وتثقل قيمته ، ويعظم نفعه ، ويجلّ خطره ؛ وهي أقلام من القصب النابت في الصخر ، الذي نشف بحرّ الهجير في قشره ماؤه ، وستره من تلويحه غشاؤه ، وهي كاللآليء المكنونة في الصّدف ، والأنوار المحجوبة في السّدف ( 5 ) ؛ تبريّة القشور ، درّيّة الظهور ، فضّيّة الكسور ؛ قد كستها الطبيعة جوهرا كالوشي المحبّر ، ورونقا كالديباج المنيّر .
ومن كتاب لأبي الخطاب الصابئ يصف فيه أقلاما أهداها في جملة أصناف :
وأضفت إليها أقلاما سليمة من المعايب ، مبرّأة من المثالب ؛ جمّة المحاسن ؛ بعيدة عن المطاعن ؛ لم يربها طول ولا قصر ، ولا ينقصها ضعف خور ؛ ولا يشينها لين ولا رخاوة ، ولم يعبها كزازة ( 6 ) ولا قساوة ؛ وهي آخذة بالفضائل من جميع
هامش
( 1 ) الخصر : البرد .
( 2 ) جمع ندى ، وهو البلل .
( 3 ) الزيادة عن العقد الفريد .
( 4 ) في العقد الفريد : « ووجهتها مع من يؤدي الأمانة في حراستها وحفظها وإيصالها وكتبت الخ » .
( 5 ) السّدف : ظلمة الليل ، والجمع أسداف . والسّدفة من الأضداد ، فهي في لغة بني تميم تعني الظلمة وفي لغة قيس الضوء . ( اللسان : 9 / 146 ) .
( 6 ) الكزازة والكزاز : اليبس والانقباض .