فيه الذوق السليم دون غيره . وعلى الجملة فلا نزاع في أن تركيب الألفاظ يعطي الكلام من القوّة والضّعف ما تزيد به قيمة الألفاظ الفصيحة ، ويرتفع به قدرها ، أو يحطَّ مقدارها عن درجة الفصاحة والحسن إلى رتبة القبح والاستهجان .
الوجه الثاني في بيان ما يبنى عليه « تركيب الكلام » وترتيبه
. وله ركنان الركن الأول - أن يسلك في تركيبه سبيل الفصاحة والخروج عن الَّلكنة والهجنة .
والفصاحة في المركب بأن يتصف بعد فصاحة مفرداته بصفات :
الصفة الأولى أن يكون سليما من ضعف التأليف
بأن يكون تأليف أجزاء الكلام على القانون النحويّ المشتهر فيما بين معظم أصحابه حتّى لا يمتنع عند الجمهور ، وذلك كالإضمار قبل الذكر لفظا أو معنى ، نحو ضرب غلامه زيدا ، فإنه غير فصيح وإن كان ما اتصل بالفاعل فيه ضمير المفعول به مما أجازه الأخفش ( 1 ) ، وتبعه ابن جني ( 2 ) لشدّة اقتضاء الفعل المفعول به كالفاعل ، واستشهد بقوله :
لما عصى أصحابه مصعبا
أدّى إليه الكيل صاعا بصاع
وقوله :
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر
وحسن فعل كما يجزى سنمّار ( 3 )
هامش
( 1 ) هناك ثلاثة من كبار العلماء بالعربية ، وكل منهم يلقب بالأخفش . الأخفش الأكبر : عبد الحميد بن عبد المجيد المتوفى سنة 177 ه . والأخفش الأوسط : سعيد بن مسعدة المتوفى سنة 215 ه . والأخفش الأصغر : علي بن سليمان بن الفضل المتوفى سنة 315 ه . ( راجع الأعلام ) .
( 2 ) هو أبو الفتح ، عثمان بن جنيّ الموصلي ، المتوفى سنة 392 ه . من أئمة الأدب والنحو . ( الأعلام 4 / 204 ) .
( 3 ) يقال في الأمثال : « جزاء سنمّار » ، أو : جزاه جزاء سنمار « وسنمّار بنّاء من الروم بني الخورنق للنعمان - ابن امرئ القيس فقتله لئلا يعمل لغيره مثله . والمثل يضرب في عقوبة المحسن البريء ( انظر المستقصى : 2 / 52 وجمهرة الأمثال : 1 / 305 واللسان : 4 / 383 ) .