وقول يزيد بن الطَّثريّة ( 1 ) في محبوبته من بني جرم :
بنفسي من لو مرّ برد بنانه
على كبدي كانت شفاء أنامله
وإذا كان هذا قول ساكن الفلاة ، لا يرى إلا شيحة أو قيصومة ( 2 ) ، ولا يأكل إلا ضبّا أو يربوعا ، فما بال قوم سكنوا الحضر ، ووجدوا رقّة العيش ، يتعاطون وحشيّ الألفاظ وشظف العبارات ! ولا يخلد إلى ذلك إلا جاهل بأسرار الفصاحة ، أو عاجز عن سلوك طريقها ، فإن كلّ أحد ممن حصل على نبذة من علم الأدب يمكنه أن يأتي بالوحشيّ من الكلام ، إما بأن يلتقطه من كتب اللغة ، أو يتلقفه من أربابها . وأما الفصيح المتّصف بصفة الملاحة ، فإنه لا يقدر عليه ، ولو قدر عليه لما علم أين يضع يده في تأليفه وسبكه .
قال : وإن ماري في ذلك ممار فلينظر إلى أشعار علماء الأدب ممن كان يشار إليه حتّى يعلم صحة ذلك ، فإن ابن دريد ( 3 ) قد قيل إنه أشعر علماء الأدب ، وإذا نظرت إلى شعره وجدته بالنسبة إلى شعر الشعراء المجيدين منحطَّا ، مع أن أولئك الشعراء لم يعرفوا من علم الأدب عشر معشار ما علمه ؛ وأين شعره من شعر العباس ابن الأحنف ( 4 ) ! وهو من أوائل الشعراء المحدثين ، وشعره كمرّ نسيم على عذبات أغصان ، أو كلؤلؤات طلّ على طرر ريحان ؛ وليس فيه لفظة واحدة غريبة يحتاج إلى استخراجها من كتاب من كتب اللغة ، كقوله :
وإنّي ليرضيني قليل نوالكم
وإن كنت لا أرضى لكم بقليل
بحرمة ما قد كان بيني وبينكم
من الودّ إلا عدتمو بجميل
وقوله في محبوبته فوز :
هامش
( 1 ) هو يزيد بن سلمة بن سمرة بن الطثّرية : من شعراء بني أمية . نسبته إلى أمه من بني طثر . قتله بنو حنيفة سنة 126 ه . ( الأعلام : 8 / 183 ) .
( 2 ) القيصوم : من رياحين البر ، طيب الرائحة . ( اللسان : 12 / 486 ) .
( 3 ) هو محمد بن الحسن بن دريد الأزدي : من أئمة اللغة والأدب . توفي سنة 321 ه . ( الأعلام : 6 / 80 ) .
( 4 ) شاعر غزل رقيق . اقتصر شعره على الغزل : توفي سنة 192 ه . ( اعلام : 3 / 259 ) .