« لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم ، وأني لن أعتاض به جملا ولا ناقة ، فأكتسب به سبّة الأبد ، وفتّ العضد ، وأما النّظرة فقد أوجبتها الأجنّة في بطون أمهاتها ، ولن أكون لعطبها سببا ، وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك ، تحمل في القلوب حنقا ، وفوق الأسنّة علقا :
إذا جالت الحرب في مأزق
تصافح فيه المنايا النّفوسا
أتقيمون أم تنصرفون ؟ قالوا : بل ننصرف بأسوإ الاختيار وأبلى الاجترار ، بمكروه وأذيّة ، وحرب وبليّة .
ثم نهضوا عنه وقبيصة يتمثل :
لعلَّك أن تستوخم الورد إن غدت
كتائبنا في مأزق الحرب تمطر
فقال امرؤ القيس : لا واللَّه ! ولكن أستعذبه ، فرويدا ينفرج لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير ، ولقد كان ذكر غير هذا بي أولى إذ كنت نازلا بربعي ، ولكنك قلت فأوجبت .
فقال قبيصة : ما يتوقّع فوق قدر المعاتبة والإعتاب ، فقال امرؤ القيس : هو ذاك ( 1 ) .
قال في « المثل السائر » : فلينظر إلى هذا الكلام من الرجلين : قبيصة وامرىء القيس ، حتّى يدع المتعمّقون تعمّقهم في استعمال الوحشي من الألفاظ ؛ فإن هذا الكلام قد كان في الزمن القديم قبل الإسلام بما شاء اللَّه ، وكذلك هو كلام كل فصيح من العرب مشهور ، وما عداه فليس بشيء . قال : وهذا المشار إليه هاهنا هو من جزل كلامهم ، وهو على ما تراه من السّلاسة والعذوبة ؛ وإذا تصفّحت أشعارهم أيضا وجدت الوحشي من الألفاظ قليلا بالنسبة إلى المسلسل في الفم
هامش
( 1 ) انظر مقال قبيصة ورد امريء القيس عليه باختلاف يسير في بعض المواضع في « جمهرة خطب العرب » : 1 / 34 » .