المنيفة . كان الكتّاب كذلك من بين سائر الناس . قال الزبير بن بكَّار ( 1 ) :
« الكتّاب ملوك وسائر الناس سوقة » . وقال ابن المقفّع : « الملوك أحوج إلى الكتّاب من الكتّاب إلى الملوك » ومن كلام المؤيد « كتّاب الملوك عيونهم المبصرة ، وآذانهم الواعية ، وألسنتهم الناطقة » .
وكانت ملوك الفرس تقول : « الكتّاب نظام الأمور وجمال الملك ، وبهاء السلطان وخزّان أمواله ، والأمناء على رعيته وبلاده ، وهم أولى الناس بالحباء ( 2 ) والكرامة ، وأحقّهم بمحبّة السلام » .
ومن كلام أبي جعفر الفضل بن أحمد : « للكتّاب أقرّت الملوك بالفاقة والحاجة ، وإليهم ألقيت الأعنّة والأزمّة ، وبهم اعتصموا في النازلة والنّكبة ، وعليهم اتّكلوا في الأهل والولد والذخائر والعقد وولاة العهد وتدبير الملك وقراع الأعداء ، وتوفير الفيء ، وحياطة الحريم ، وحفظ الأسرار ، وترتيب المراتب ، ونظم الحروب » .
قال في موادّ البيان : « وما من أحد يتوسّل إلى السلاطين بالأدب ، ويمتّ إليهم من العلم بسبب ، إلا وهو باقله ( 3 ) لا ينوّل ما ينوّله إلا على وجه الإرفاق ، خلا الكاتب فإنه ينوّل الرغائب العظيمة من طريق الاستحقاق ، لموضع الافتقار إليه والحاجة ، ومن المعلوم أنه لا بدّ من واسطة تقوم بين الملوك والرعية لبعد ما بين الطبقتين : العليا والدّنيا ، وليس من طبقات الناس من يساهم الملوك في جلالة القدر وعظيم الخطر ، ويشارك العامّة في التواضع والاقتصاد سوى الكتّاب فاحتيج إليهم للسّفارة في مصالح الرعيّة عند
هامش
( 1 ) هو أبو عبد اللَّه ، الزبير بن بكّار المتوفى سنة 256 ه : مؤرخ وراوية . صاحب كتاب : « جمهرة نسب قريش وأخبارها » . ( الحلة السيراء 1 / 25 ) .
( 2 ) الحباء : العطاء .
( 3 ) باقله : بأقل القول ، الذي في كلامه عيّ ، نسبة إلى بأقل الذي يضرب به المثل في العيّ . يقال : أعيا من بأقل » . ( جمهرة الأمثال : 2 / 72 ) .