يكون ذلك في المكاتبات الإخوانيات : مثل ما كتب به القاضي الفاضل إلى بعض إخوانه يستوحش منه ، ويتشوّق إليه :
فيا ربّ إن البين أضحت صروفه
عليّ ، ومالي من معين فكن معي
على قرب عذّالي وبعد أحبّتي
وأمواه أجفاني ونيران أضلعي !
هذه تحية القلب المعذّب ، وسريرة الصبر المذبذب ، وظلامة عزم السلوّ المكذّب ، أصدرتها إلى المجلس وقد وقد في الحشا نارها ، الزفير أوارها ، والدّموع شرارها ، والشوق أثارها ، وفي الفؤاد ثارها :
لو زارني منكم خيال هاجر
لهدته في ظلمائه أنوارها
أسفا على أيام الاجتماع التي كانت مواسم السرور والأسرار ، ومباسم الثّغور والأوطار ، وتذكَّرا لأوقات عذب مذاقها ، وامتدّ بالأنس رواقها ، وزوّجت بكرها ، ودوعب ذكرها :
واللَّه ما نسيت نفسي حلاوتها !
فكيف أذكر أنّي اليوم أذكرها ؟
ومذ فارقت الجناب ، لازال جنا جنابه نضيرا ، وسنا سنائه مستطيرا ، وملكه في الخافقين خافق الأعلام ، وعزّه على الجديدين ( 1 ) جديد الأيام ، لم أقف منه على كتاب تخلف سطوره ما غسل الدمع من سواد ناظري ، ويقدم ببياض منظومه ومنثوره ما وزّعه البين من سويداء خاطري :
ولم يبق في الأحشاء إلَّا صبابة
من الصبّر تجري في الدّموع البوادر
وأسأله المناب ، بشريف الجناب ، وأداء فرض ، تقبيل الأرض ، حيث تلتقي وفود الدنيا والآخرة ، وتعمر البيوت العامرة المنن الغامرة ، وفضل الظل غير منسوخ بهجيره ، ويبشّر المجد بشخص لا تسمح الدنيا بنظيره :
هامش
( 1 ) الجديدان كناية عن الليل والنهار ( القاموس 1 / 291 ) .