يومئذ قاضي روم ايلي فقلده المدرسة الحسامية بادرنة بعشرين ثم تنقل في المدارس إلى أن قلد قضاء دمشق ثم القاهرة ثم بروسه ثم ادرنة ثم قسطنطينية ثم قضاء عسكر أناضولي وكان رحمه الله تعالى إماما عالما بليغا واسع المعرفة كثير الافتنان جاريا في مجاري المعارف بغير عنان اخترع الكثير من المعاني وولد وقلد جيد الزمان من منثوره ومنظومه ما قلد فمن نظمه :
أرى من صدغك المعوج دالا * ولكن نقطت من مسك خالك
فصارت داله بالنقط ذالا * فها أنا هالك من أجل ذلك
ومنه :
لهيب نار الهوى من أين جاء إلى * أحشاك حتى رأينا القلب وهاجا
وما دروا أنه من سحر مقلته * ألفي سبيلا إلى قلبي ومنهاجا
ومنه :
أنفق فإن الله كافل عبده * فالرزق في اليوم الجديد جديد
المال يكثر كلما أنفقته * كالبير ينزح ماؤها فيزيد
ومن نثره قوله في رسالة قلمية مد باعه في العلوم وقده قيد شبر حبر باهر إذا رأيت آثاره تقول أحسن بهذا الخبر قادر على تحرير العلوم وتحبيره يتكلم ويدر على الكافور عبيرا فياحسن تعبيره إذا شكل رفع الاشكال وإذا قيد أطلق العقول من العقال طورا يجلس على الدست مثل الكرام الصيد وطورا يبيت على المجرة باسطا ذراعيه بالوصيد يتنزه في مراتع الطرب ويتبختر في غلايل القصب إذا شط داره نشط عنه مزاره فهو يبكي كالغمام وينوح كالحمام يذكر لذاته وأترابه ويحن إلى أول أرض مس جلد ترابه على منبر الأنامل خطيب مصقع ألف تراه تارة في الدواة وطورا على الإصبع يقوم في خدمة الناس وإذا قلت له أجر يقول على الرأس يتعيش بكسب يمينه ويقتات من عرق جبينه لفظوا باسمه فصيحا وهو محرف أرادوا أن يصحفوه فلم يصحف ميزاب عين الحكمة عنه نابعة مقياس بمصر العلم يعتبرون أصابعه أخرس ولكن
شذرات الذهب في أخبار من ذهب — صفحة 389
مساهمون: عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
ص٣٨٩