الحاضرين في المجلس في كل فن فلم يزل كلامه يعلو وكلامهم يسفل حتى صمت الكل وبقي يتكلم وحده ثم أخذوا يكتبون ما يقوله فصرفهم سيف الدولة وخلا به فقال له هل لك أن تأكل شيئا قال لا قال فهل تشرب قال لا قال فهل تسمع فقال نعم فأمر سيف الدولة بإحضار القيان فحضر كل ماهر في هذا الفن بأنواع الملاهي فلم يحرك أحد منهم آلة إلا وعابه أبو نصر وقال أخطأت فقال سيف الدولة وهل تحسن في الصناعة شيئا قال نعم ثم أخرج من وسطه خريطة ففتحها وأخرج منها عيدانا فركبها ثم لعب بها فضحك كل من في المجلس ثم فكها وغير تركيبها وركبها تركيبا آخر وضرب بها فبكى كل من في المجلس ثم فكها وغير تركيبها وحركها فنام كل من في المجلس حتى البواب فتركهم نياما وخرج ويحكى أن الآلة المسماة بالقانون من وضعه وهو أول من ركبها هذا التركيب وكان منفردا بنفسه لا يجالس الناس وكان مدة مقامه بدمشق لا يكون غالبا إلا في مجتمع المياه ومشتبك الرياض ويؤلف هناك كتبه ويأتيه المشتغلون عليه وكان أكثر تصانيفه فصولا وتعاليق ويوجد بعضها ناقصا مبتورا وكان أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن وأجرى عليه سيف الدولة من بيت المال كل يوم أربعة دراهم وهو الذي اقتصر على القناعة ولم يزل على ذلك إلى أن توفي بدمشق وصلى عليه سيف الدولة في أربعة من خواصه وقد ناهز ثمانين سنة ودفن بظاهر دمشق خارج باب الصغير وتوفي متى بن يونس ببغداد في خلافة الراضي هكذا حكاه ابن صاعد القرطبي في طبقات الأطباء والفارابي بفتح الفاء والراء وبينهما ألف وبعد الألف الثانية باء موحدة نسبة إلى فاراب وتسمى في هذا الزمان اترار وهي مدينة فوق الشاش قريبة من مدينة بلاساغون وجميع أهلها على مذهب الشافعي رضي الله عنه وهي قاعدة من قواعد مدن الترك ويقال لها فاراب الداخلة ولهم فاراب الخارجة وهي في أطراف بلاد فارس انتهى
شذرات الذهب في أخبار من ذهب — صفحة 352
مساهمون: عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
ص٣٥٢