تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاء - الإلهيات — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
الماء لأن استعداد النار للتسخن والماء للتبرد حال غير مضاد في جوهره والقوة الفاعلة داخلة في جوهره غير غريبة منه فأما ما ينفعل منهما ففيه مانع عنه مضاد . والفاعل الأول للانفعال خارج عن جوهره ويفعل فيه بمماسته وبتوسط أمر كالسخونة المحسوسة في النار المسخنة والبرودة المحسوسة في الماء المبرد فليس يمكن أن يساويه . فإن قال قائل : إن النار قد تذيب الجواهر فتجعلها أسخن منها لأنا ندخل أيدينا في النار ونمرها فيها بعجلة فلا تحترق احتراقها في المسبوكات لو فعل بها ذلك بعينه فيعلم من ذلك يقينا أن المسبوكات أسخن من النار ومع ذلك فإنما سخنت من النار . فإنا نجيب ونقول : إن ذلك ليس بسبب أن المسبوكات أسخن ولكن لمعان ثلاثة منها ما هو أقرب إلى الظهور : أحدها في المسبوك . والآخر في النار والثالث في اللامس وكلها متعاونة متقاربة . أما الذي في المسبوك فلأنه غليظ فيه تشبث ما ولزوجة وبطء انفصال فإذا لمس ذهب مع اللامس ولم يمكن أن يفارق إلا في زمان ذي قدر في نفسه بالقياس إلى زمان مفارقة اللامس النار وإن كان الحس لا يضبط ذلك الاختلاف لكن العقل والذهن يوجبه . ومن شأن الفاعل الطبيعي أن يفعل في المنفعل في مدة أطول فعلا آكد وأحكم وأن يفعل الضعيف في مدة أطول ما لا يفعله القوى في مدة قصيرة . وأما الذي في النار فلأن النار المحسوسة إنما هي أجزاء من النار الحقيقية مع أجزاء من الأرض متصعدة متحركة واجتماعها على سبيل التجاور لا على سبيل الاتصال بل هي في أنفسها متفرقة ويتخللها الهواء تخللا على سبيل التجدد فيكسر ما بداخله فيها من صرافة حره لأنه أبرد منها ولأنه ليس ينفعل في تلك العجلة انفعالا يصير به نارا محضا
الشفاء - الإلهيات — صفحة 274 | أبو علي سينا / ابراهيم مدكور