بل أن تحصل التوسط وملكة التوسط كأنها موجودة للقوة الناطقة وللقوى الحيوانية معا أما القوى الحيوانية فبأن تحصل فيها هيئة الإذعان وأما القوة الناطقة فبأن تحصل فيها هيئة الاستعلاء والانفعال كما أن ملكة الإفراط والتفريط موجودة للقوة الناطقة وللقوى الحيوانية معا ولكن بعكس هذه النسبة . ومعلوم أن الإفراط والتفريط هما مقتضى القوى الحيوانية وإذا قويت القوى الحيوانية وحصل لها ملكة استعلائية حدثت في النفس الناطقة هيئة إذعانية وأثر انفعالي قد رسخ في النفس الناطقة من شأنها أن يجعلها قوية العلاقة مع البدن شديدة الانصراف إليه .
وأما ملكة التوسط فالمراد منها التنزيه عن الهيئات الانقيادية وتبقية النفس الناطقة على جبلتها مع إفادة هيئة الاستعلاء والتنزه وذلك غير مضاد لجوهرها ولا مائل بها إلى جهة البدن بل عن جهته فإن المتوسط يسلب عنه الطرفان دائما . ثم جوهر النفس إنما كان البدن هو الذي يغمره ويلهيه ويغفله عن الشوق الذي يخصه وعن طلب الكمال الذي له وعن الشعور بلذة الكمال إن حصل له والشعور بألم الكمال إن قصر عنه لا بأن النفس منطبعة في البدن أو منغمسة فيه ولكن العلاقة التي كانت بينهما وهو الشوق الجبلي إلى تدبيره والاشتغال بآثاره وبما تورده عليه من عوارضه وبما يتقرر فيه من ملكات مبدؤها البدن فإذا فارق وفيه الملكة الحاصلة بسبب الاتصال به كان قريب الشبه من حاله وهو فيه فبما ينقص من ذلك تزول غفلتة عن حركة الشوق الذي له إلى كماله وبما يبقى منه معه يكون محجوبا عن الاتصال الصرف بمحل سعادته ويحدث هناك من الحركات المشوشة ما يعظم
الشفاء - الإلهيات — صفحة 430
مساهمون: أبو علي سينا
ص٤٣٠