وبالجملة فإن الصورة المادية وإن كانت علة للمادة في أن تخرجها إلى الفعل وتكملها فإن للمادة أيضا تأثيرا في وجودها وهو تخصيصها وتعيينها وإن كان مبدأ الوجود من غير المادة كما قد علمت فيكون لا محالة كل واحد منهما علة للأخرى في شيء وليسا من جهة واحدة ولولا ذلك لاستحال أن يكون للصورة المادية تعلق بالمادة بوجه من الوجوه ولذلك قد سلف منا القول : أن المادة لا يكفي في وجودها الصورة فقط بل الصورة كجزء العلة وإذا كان كذلك فليس يمكن أن تجعل الصورة من كل وجه علة للمادة مستغنية بنفسها فبين أنه لا يجوز أن يكون المعلول الأول صورة مادية أصلا ولا أن يكون مادة أظهر فوجب أن يكون المعلول الأول صورة غير مادية أصلا بل عقلا وأنت تعلم أن هاهنا عقولا ونفوسا مفارقة كثيرة فمحال أن يكون وجودها مستفادا بتوسط ما ليس له وجود مفارق لكنك تعلم أن في جملة الموجودات عن الأول أجساما إذ علمت أن كل جسم ممكن الوجود في حيز نفسه وأنه يجب بغيره وعلمت أنه لا سبيل إلى أن يكون عن الأول تعالى بغير واسطة فهي كائنة عنه بواسطة وقد علمت أنه لا يجوز أن تكون الواسطة وحدة محضة لا اثنينية فيها فقد علمت أن الواحد من حيث هو واحد أنما يوجد عنه واحد فبالحري أن يكون عن المبدعات الأول بسبب اثنينيته يجب أن يكون فيها ضرورة أو كثرة كيف كانت ولا يمكن في العقول المفارقة شيء من الكثرة إلا على ما أقول : إن المعلول بذاته ممكن الوجود وبالأول واجب الوجود ووجوب وجوده بأنه عقل وهو يعقل ذاته ويعقل الأول ضرورة فيجب أن يكون
الشفاء - الإلهيات — صفحة 405
مساهمون: أبو علي سينا
ص٤٠٥